30‏/08‏/2014

هل خطط هتلر لما بعد الهزيمة ..؟!! الحلقة الاولى : مؤتمر الدار البيضاء وتداعياته على المانيا النازية





هل خطط هتلر لما بعد الهزيمة ..؟!!
"الاسرار التي ظلت حبيسة اروقة المخابرات العالمية"
الحلقة الاولى :
مؤتمر الدار البيضاء وتداعياته على المانيا النازية



تمهيد :
الاخوة والأخوات متابعي صفحة اسرار الكرام ، كنا وعدناكم بنشر ما لدينا من معلومات وصور وفيديوهات وبحوث غير مكتملة عن النازية ، ولكن ونظرا لرداءة النت وعدم تمكنا من رفع نحو 4.5 جيجا بايت من النصوص والصور ناهيك عن مئات الفيديوهات وعشرات الافلام ، وحتى تعم الفائدة على اكبر عدد ممكن من المتابعين والباحثين في هذا الشأن ، فقد قررنا الاستعاضة عن نشر تلك المواد "الخام" ، بنشر خلاصة اهم ما توصلنا اليه من معلومات وتفاصيل عن النازية بعد عشرين عاما من البحث والتحري .

هكذا سيجد القارئ والباحث العربي نفسه امام أحداث وتفاصيل مثيرة تغطي حقبة مهمة من تاريخ الامة الالمانية لا الحزب النازي فحسب . بل سيجد نفسه ولأول مرة امام كم هائل من المعلومات الدقيقة لم يكن قد سمع بها من قبل عن الخطط السرية التي اعتمدها الزعيم الالماني ادولف هتلر ابتدءا من عام 1943 والتي القت بآثارها على العديد من احداث العالم حتى يومنا هذا .

فمنذ سبعين عاما وبالتحديد منذ منتصف عام 1944 وحتى يومنا هذا ، والجميع يعتقد بان القيادة الالمانية كانت تحصر كل همها وفكرها وتسخر كل قدراتها من اجل تحقيق الانتصار الحاسم في الحرب ، حتى انها رفضت مجرد التفكير في عقد أي اتفاق سلام حتى لو تخلى اعدائها عن فكرة الاستسلام الالماني الغير مشروط. بل ان القيادة الالمانية ذاتها واغلب قادة الجيش الالماني عموما والنازيين خصوصا كانوا قد فضلوا الانتحار وإنهاء حياتهم على يوافقوا ولو بعقد سلام مشروط يحفظ حياتهم وما تبقى لهم من الرايخ الثالث

نعم هذا ما ترسخ في اذهان الجميع سواء من خلال قراءة كتب التاريخ او مذكرات الذين عاشوا تلك الايام ، او سواء من خلال ما صورته العديد من افلام السينما التي تناولت تلك الاحداث .

ولكن في الحقيقة فان القيادة الالمانية تحسبت لجميع الاحتمالات بما في ذلك هزيمة الرايخ الثالث فأعدت العديد من الخطط والاستراتيجيات وهيئت لها المستلزمات المطلوبة .


وحتى يتعرف القارئ الكريم على اسباب اقرار القيادة الالمانية لتلك الخطط ويلم بالظروف الحقيقة التي صاحبتها ، يتوجب علينا ان نسلط الاضواء اولا على ما كان يحاك سرا ضد الرايخ الثالث ، سواء من ناحية الحلفاء او من ناحية المعارضة الالمانية والمعروفة اليوم في المانيا باسم المقاومة الالمانية ضد الهتلرية وهو ما يمثل مضمون حلقتنا هذه.

فمنذ شهر يوليو تموز عام 1942 وحتى شهر اغسطس اب عام 1943 ، شهدت الحرب العالمية الثانية سلسلة تطورات ومنعطفات في غاية الاهمية والخطورة ، فبينما كانت الجيوش الالمانية تتقدم ببطئ في الجبهة الشرقية وهي تخوض واحدة من اقسى المعارك في ستالينغراد ، فقد تراجعت الجيوش الالمانية في شمال افريقيا ابتداءا من معركة العلمين الاولى . اما الحلفاء فقد انشغل زعمائهم وكبار قادة جيوشهم بإجراء سلسلة من المؤتمرات والاجتماعات التي وضعت فيها واحدة من اهم المؤامرات في تاريخ البشرية ..!!

وقبل الحديث عن مؤتمر الدار البيضاء وهو محور حلقتنا هذه ، ينبغي علينا اولا ان نتعرف على واحد من اهم مؤتمرات الحرب العالمية الثانية والتي بلغت 24 مؤتمرا دوليا ، وهو مؤتمر واشنطن الاول .

مؤتمر واشنطن الاول :
شهدت العاصمة الامريكية وعلى مدار 24 يوما من 22/12/1941 وحتى 14/1/1942 ، مؤتمرا مهما للحلفاء حضره كل من رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل Winston.Churchill ورئيس الولايات المتحدة الامريكية فرانكلين ديلانو روزفلت Franklin.Delano.Roosevelt بالإضافة الى كبار القادة العسكريين الأمريكان والبريطانيين.

وقد ناقش مؤتمر واشنطن الاول والمعروف ايضا باسم مؤتمر اركاديا ARCADIA ، العديد من القضايا التفصيلية وأصدر سلسلة من القرارات المهمة التي فعلت المجهود الحربي للحلفاء للعامين المقبلين 1942 و 1943 . حيث تقرر الاستمرار في تقديم الدعم الامريكي لقوات الحلفاء في شمال أفريقيا ، وتعزيز القوات البريطانية في المحيط الهادئ ، وانشاء قيادة عسكرية موحدة للحلفاء في جنوب شرق اسيا والتي عرفت باسم القيادة الامريكية البريطانية الهولندية الاسترالية (ABDACOM) . فضلا عن تشكيل هيئة عسكرية دائمة الانعقاد في واشنطن العاصمة تضم كبار القادة العسكريين الأمريكان والبريطانيين والتي عرفت باسم لجنة رؤساء الاركان المشتركة (CCS) .

كما ناقش المؤتمر الجانب الدبلوماسي والسياسي الدولي لمنع اقامة اي سلام منفرد مع دول المحور فضلا عن تسخير كافة موارد الحلفاء من اجل تحقيق النصر في الحرب . فبالرغم من الضغوط الكبيرة التي تعرض لها الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت بعد هجوم اليابان على القوات الامريكي في ميناء الؤلؤ (Pearl Harborb) ، فقد قرر روزفلت بان يكون الهدف الرئيسي للولايات المتحدة الامريكية في الحرب هو الحاق الهزيمة بالرايخ الثالث ، حيث قرر الرئيس الامريكي انشاء قيادة موحدة للجيش الامريكي في مسرح العمليات الأوروبية (ETOUSA).

ومن الجدير ذكره هنا ، فقد تولت هيئة رؤساء الأركان المشتركة (CCS) والتي عقدت اجتماعها الرسمي الاول في 9/2/1942 ، مسؤولية دراسة كافة خطط وعلميات الحلفاء الاستراتيجية والتنسيق بين قوات الحلفاء في مسرح العلميات الاوروبية والأفريقية والأسيوية ، ودراسة تطورات الحرب ورفع توصياتها الفنية التفصيلية الدقيقة لحكومتي بريطانيا والولايات لمتحدة الامريكية ، والتحضير لمؤتمرات الحلفاء الدولية ، حيث يعتبر مؤتمر الدار البيضاء ، احدى اهم نتائج دراسة هذه الهيئة لاحداث الحرب وتطوراتها.

مؤتمر الدار البيضاء ، حقائق واسرار :
بينما كان القتال محتدما في ستالينغراد بين الالمان وحلفائهم من جهة وبين السوفيت من جهة اخرى ، فقد شهدت مدينة الدار البيضاء في المغرب وعلى مدار 11 يوم ابتدءا من يوم 14 وحتى 24/1/1943 مؤتمرا مهما لدول الحلفاء حضره كل من رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ورئيس الولايات المتحدة الامريكية فرانكلين روزفلت والجنرال شارل ديغول Charles.de.Gaulle والجنرال هنري جيرو Henri.Giraud عن قوات فرنسا الحرة .

وبالرغم من تهميش البعض لدور وأهمية هذا المؤتمر ، احيانا بدعوى ان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت لم يحضر المؤتمر لا من اجل الاستمتاع برحلة سياحية وأحيانا اخرى بحجة غياب زعيم الاتحاد السوفيتي جوزيف ستالين الذي لم تشغله الحرب فحسب عن حضور المؤتمر انما كان غيابه نوعا من العتب على تأخر حلفاءه الغربيين في فتح جبهة ثانية على الالمان ، نقول بالرغم من كل ذلك التهميش فقد مثّل هذا المؤتمر بدء مرحلة جديدة في تاريخ الحرب العالمية الثانية وكانت لقراراته ابرز الاثر على تغير مسار الحرب بالكامل وبما تحمل الكلمة من معنى ، حيث جرى الاتفاق على ما ياتي :

1- توحيد جهود الفرنسسين ، حيث تم الاعتراف بالجنرال شارل ديغول رئيسا للجنة الفرنسية للتحرير الوطني ، وبالجنرال هنري جيرو قائدا للقوات الفرنسية الحرة في شمال افريقيا لتقاتل الى جانب الحلفاء.

2- التحضير لفتح جبهة جديدة ضد الالمان في ايطاليا .

3- تعزيز جبهة شمال افريقيا بما في ذلك مياه البحر الابيض المتوسط .

4- تعزيز الجهود للتصدي للغواصات الالمانية .

5- الاستعداد لتنفيذ انزال كبير على البر الفرنسي وتم تحديد الموعد في العام المقبل وإعادة احياء الجبهة الغربية ضد الالمان.

6- تكثيف القصف الجوي على مختلف الاهداف الالمانية بما في ذلك الواقعة داخل الاراضي الالمانية .

7- والاهم من ذلك كله هو اعلان الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت عن عدم قبول الحلفاء بأي استسلام الماني مشروط ، وهو الاعلان الذي فاجئ العالم كله بل وفاجئ ايضا رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل الذي لم يكن راضيا على مقترح الرئيس الامريكي اثناء محادثتهما الشخصية. الامر الذي دفع البعض لمهاجمة هذا الاعلان بشدة بدعوى انه سيدفع الالمان لاستماتة في القتال . حينها اضطر الرئيس الامريكي لان يعقد مؤتمرا صحفيا يعلن فيه اعتذاره مشيرا الى ان ذلك اعلان قد صدر بشكل عفوي غير متعمد . ثم انضم اليه رئيس الوزراء البريطاني حيث حاول الاثنان وفي عدة مناسبات تبرير ذلك الاعلان وبأنه لن يتسبب بكارثة على المانيا ..!!

وفي هذا الصدد يذكر درو ميدلتون Drew.Middleton ، المراسل والمحلل العسكري لصحيفة نيويورك تايمز في كتابه (Retreat.From.Victory) نقلا عن السفير الامريكي في موسكو شارلز بولن Charles.Bohlen قوله :
" أن اعلان روزفلت جاء لتحقيق هدفين : الاول ضمان استمرار القتال بين السوفيت والألمان بما يؤدي الى استنزاف الجيش الالماني ، والهدف الثاني لمنع ستالين من التفاوض على صلح منفرد مع النظام النازي ".

في الحقيقة فان البند الاخير كان اهم بنود مؤتمر الدار البيضاء وليس كما يعتقد البعض بأنه كان مجرد خطئ عفوي او موقف مرتجل يعكس التعنت الشخصي للرئيس الامريكي وصلفه السياسي. فإصرار روزفلت على رفض أي استسلام الماني مشروط ، في الوقت الذي كان فيه موقف الالمان ما يزال قويا وفاعلا بل وربما قادرا ايضا على تعويض خسارته في الجبهة الشرقية ضد السوفيت ، كان يخفي وراءه سرا بالغ الأهمية والخطورة جرى تجاهله عمدا . تلك هي علاقة بعض الشخصيات الالمانية بحكومات الحلفاء وسعيها للإطاحة بحكم القيادة الالمانية . بل ان استمرار الحلفاء بعقد مؤتمرهم في مدينة الدار البيضاء ولمدة احد عشر يوما متواصل لا يشير فقط الى مدى اهمية هذا المؤتمر الذي غالبا ما تفه ، انما يشير ايضا الى وجود مفاوضات سرية كانت تجريها المعارضة الالمانية مع الحلفاء اثناء فترة انعقاد المؤتمر .

وبمناسبة حديثنا عن المعارضة الالمانية نود الانتباه الى حقيقة ربما تكون قد غابت عن البعض فيتصور ان جميع موظفي الحكومية الالمانية وجميع ضباط وقادة الجيش الالماني في عهد ادولف هتلر كانوا اعضاء في الحزب النازي او مؤمنين بالعقيدة النازية ، وهذا خطئ كبير جدا يمنع صاحبه من دراسة ومعرفة الحقائق والوقائع بل سيضعه في ازمة كبيرة في فهم التاريخ الالماني عموما.

فمنذ تولي ادولف هتلر والعديد من الشخصيات الالمانية مدنية وعسكرية تحيك المؤامرات ضده . ومع مرور الوقت فقد اتسعت دائرة المعارضين فشملت آلاف الالمان وأخذت خططهم تزداد اتساعا وشمولية حتى تطورت من خطط بسيطة اعدها شخص او اثنان لاغتيال الزعيم الالماني الى خططا متكاملة انخرط فيها مئات بل وآلاف الالمان من اجل الاطاحة بحكم الرايخ الثالث برمته . ومثلما شهدت الاعوام التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية العديد من المؤامرات وان لم يكتب لها ان تنفذ اصلا او فشلت في تحقيق هدفها المنشود ، فقد شهدت سنوات الحرب مؤامرات اخرى بعضها لم ينفذ وبعضها الاخر فشل ايضا.

لهذا وباختصار فأننا نؤكد تأكيدا تاما ، بان جزء كبير من قادة ومسؤولي المؤسسات الحكومية الالمانية العسكرية والمدنية في عهد ادولف هتلر لم يكونوا ابدا اعضاءا في الحزب النازي ، ولم يؤمنوا بالعقيدة النازية ، بما في ذلك مدراء كبار وقادة عسكريين بارزين وعلماء مشهورين . حتى وصل الحال ببعض اولئك المتآمرين الى خيانة الامة الالمانية برمتها لا مجرد معارضة سياسات ادولف هتلر او رفض الفكر النازي كما عقدوا سلسلة لقاءات واجتماعات ومفاوضات مع مسؤولين كبار في حكومات الحلفاء .

علاقة المعارضة الالمانية بمؤتمر الدار البيضاء :
بعد مرور ثلاثة سنوات على اعلان الحلفاء الحرب على الرايخ الثالث ، وبعد النجاح الكبير الذي حققته القيادة الالمانية في شتى الميادين والمجالات ، فقد كثفت المعارضة الالمانية من اتصالاتها السرية بالحلفاء والتي بدأت قبل الحرب بفترة طويلة واستهدف الاطاحة بالقيادة الالمانية .

حيث قام ضابط المخابرات الالماني الحقوقي هيلموت جيمس غراف فون مولتكه Helmuth.James.Graf.von.Moltke وهو احد اقطاب المعارضة الالمانية ضمن منظمة (Kreisau.Circle) ، والمقرب من رئيس المخابرات الالمانية فيليهام كناريس ، بالسفر الى اسطنبول مرتين خلال عام 1943 . فبحجة الإفراج عن بعض السفن التجارية الألمانية التي احتجزتها تركيا ، التقى مولتكه خلال هاتين الزيارتين بمجموعة من المعارضة الالمانية ضمت شخصيات مهمة من الجيش الألماني ومن المخابرات الالمانية وبعض الألمان اللاجئين في تركيا . كما حضر تلك اللقاءات السفير الالماني في اسطنبول والمستشار الالماني السابق فرانز فون بابن  Franz.von.Papenوالذي كان نائب المستشار في عهد ادولف هتلر خلال عامي 1933 و 1934 .

وبعد التشاور والتنسيق بين هذه المجموعة والمعارضة الالمانية في الداخل ، عقدت مجموعة اسطنبول سلسلة من اللقاءات والمحادثات السرية مع أعضاء بارزين في مكتب الخدمات الإستراتيجية  (OSS) نواة السي اي ايه لاحقا وممثل الرئيس الامريكي لشؤون البلقان وهو السفير الامريكي في اسطنبول جورج هوارد ايرل George.Howard.Earle . وقد اكد مدير المخابرات الالمانية فيلهلم كناريس للمبعوث الامريكي قدرة القوات التي تسيطر عليها المعارضة الالمانية ، من تطويق مقر الزعيم الالماني ادولف هتلر واعتقاله ومن ثم تسليم للحلفاء كمجرم حرب .

وفي الختام رفعت مجموعة اسطنبول وبالتنسيق مع المسؤولين الامريكان ، تقريرا كاملا الى الحلفاء عن كيفية الاطاحة بالقيادة الالمانية وإنهاء الحرب وإقامة اتفاقية سلام دائمة بين المانيا من جهة وباقي دول الحلفاء من جهة اخرى ، حيث تقدمت المعارضة الالمانية باقتراح الاتي :

(( تتعهد الحكومة الالمانية الجديدة -بعد الاطاحة بالقيادة الالمانية- على إيقاف الحرب فورا وفي مختلف الجبهات . وتوقيع اتفاقية سلام دائم مع جميع دول الحلفاء يعيد الاوضاع لما كانت عليه قبل الحرب . وذلك بمقابل اقرار الحلفاء لعودة بعض الحقوق التي صادرتها معاهدة فرساي من المانيا ، والتي تضمنت الاعتراف بما كانت عليه الحدود الالمانية عام 1914 ، وهو ما يعني اعتراف الحلفاء بعودة (70.000) سبعين الف كيلومتر مربع من اراضي الدول المجاورة لألمانيا بالإضافة الى عودة الجزء الالماني من بولندا )) .

كما اجرى السفير الالماني في الفاتيكان ارنست فريهر فون فايتسكر Ernst.Freiherr.von.Weizsäcker سلسلة من اللقاءات والاجتماعات بشخصيات مهمة بالفاتيكان وبحكومتي بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية من اجل ذات الهدف.

اما الدبلوماسي الالماني فريدريش آدم فون تروت زو سولز Friedrich.Adam.von.Trott.zu.Solz فقد تنقل بين تركيا والبلقان وسويسرا والدول لاسكندنافية وجاب البلدان الاوروبية بحثا عن كل معارض للزعيم الالماني ادولف هتلر من اجل تقوية شبكة المعارضة الالمانية كما اتصل بعدد من عملاء مخابرات الحلفاء ومسؤوليّه .

كما قام ضابط المخابرات الالماني هانز بيرند جيـسـيـفـيـوس Hans.Bernd.Gisevius وباعتباره ضابط الاتصال بين المعارضة الالمانية والحلفاء ، باستغلال منصبه كنائب للقنصل الالماني في مدينة زيورخ السويسرية عام 1943 لإجراء محادثات سرية مع رئيس مكتب الخدمات الاستراتيجية الامريكية (OSS) ألن دالاس Allen.Dallas ومؤسس وكالة المخابرات المركزية الامريكية (CIA) لاحقا ، كرست لنفس الغرض وهو الاطاحة بالقيادة الالمانية وإنهاء الحرب.

كما التقى رئيس جهاز المخابرات الالمانية الابفير الادميرال فيلهلم كناريس Wilhelm.Canaris خلال عامي 1942 و 1943 بعملاء وضباط المخابرات البريطانية (M16) في اسبانيا وجبل طارق وزيورخ والفاتيكان بالإضافة الى فرنسا التي كانت احدى اهم اوكار المعارضة الالمانية . ففي لقائه بمسؤول المخابرات البريطاني العقيد كلود أوليفيه Claude.Olivier والذي كان يتخفى باسم Jade.Amicol في دير (Passion.of.our.BlessedLord) الكائن في شارع 127 دي سانتيه (Rue.de.la.Santé) وسط باريس ، استفسر مدير المخابرات الالمانية عن شروط الحلفاء لعقد سلام مع المعارضة بعد الاطاحة بالقيادة الالمانية ، وبعد مرور أسبوعين جاء الرد من المخابرات البريطانية موضحة بان رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل مصّر على "الاستسلام الغير المشروط" ، وهو نفس الرد الذي جاء لمجموعة اسطنبول من الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت الذي نصحه مستشاريه بضرورة رفض ذلك الاقتراح . حيث كان وزير الخزانة السابق ومستشار روزفلت حينها ، الامريكي الجنسية اليهودي الديانة هنري مورغنثاوHenry.Morgenthau.Jr  اشد المعارضين لاقتراح المعارضة الالمانية وقدم خطته الشهيرة بدلا عنها .

ومن الجدير ذكره هنا ، فقد نصت خطة مورغنثاو على ضرورة تدمير القدرات العسكرية والصناعية لألمانيا بعد الحرب وتحويلها من دولة صناعية الى زراعية وتقسيمها الى عدة دويلات كما نصت ايضا على فكرة استخدام اربعة ملايين الماني كعمال سخرة لإعادة اعمار دول الحلفاء ، وقد اقرت هذه الخطة رسميا خلال مؤتمر كيبيك الثاني الذي عقد في كندا بين 12 و 16 سبتمبر ايلول عام 1944 . وتم التأكيد عليها ايضا في مؤتمر بوتسدام المنعقد في المانيا ما بين 17/7 الى 2/8/1945 .

طبعا ولا ننسى مؤتمر موسكو الثاني الذي عقد للفترة من 12-وحتى 17/8/1942 ، وحضره كل من رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والزعيم السوفيتي جوزيف ستالين ومبعوث الرئيس الامريكي لاوروبا والاتحاد السوفيتي دبليو أفريل هاريمان W.Averell.Harriman ، حيث اقر في المؤتمر تبادل المعلومات والتكنولوجيا بين دول الحلفاء بما في ذلك المعلومات الاستخبارية .

من جانبها فقد سعت المعارضة الالمانية لكسب ثقة الحلفاء حيث قدمت ما جرى في ستالينغراد كدليل دامغ على صدق نواياها ومدى قدرتها على افشال الخطط العسكرية للقيادة الالمانية بما يؤدي الى توفير الظروف والأسباب المناسبة للإطاحة بحكم القيادة الالمانية . ولتسليط الاضواء على هذا الجانب المهم والحيوي نعيد نشر بعض ما جاء في دراستنا السابقة عن سلسلة الخونة في الجيش الالماني والتي نشرت تحت عنوان (كيف هُـزمت المانيا / الحلقة الثانية : التآمر ضد هتلر قبل ان تبدأ الحرب) .

استراتيجية المتآمرين الثانية (افشال خطط هتلر العسكرية) :
من خلال دراستنا لحوارات رئيس اركان الجيش الالماني فرانز هالدر (Franz.Halder) مع صديقه المقرب كارل جوردلر (Carl.Goerdeler) ، يتبين لنا بان هالدر ، كان متيقنا تماما بان مصير أي انقلاب عسكري يجري تنفيذه ضد قيادة الرايخ الثالث سيكون مصيرا مأساويا ومحتوما بالفشل الذريع سواء تم اعتقال الزعيم الالماني او تمت تصفيته شخصيا

ما سبب الفشل المحتوم بنظر رئيس اركان الجيش الالماني..؟!!
يجيب هالدر بنفسه عن هذا السؤال ، حيث يخبر صديقه جوردلر في يوم 23/11/1939 ، قائلا ((.. أن الرجال الذين قاموا بثورة نوفمبر تشرين الثاني عام 1918 والذين وقعوا على الهدنة التي اخرجت ألمانيا من حرب خاسرة ، حازوا على كراهية جميع الالمان حيث اسموهم بمجرمي نوفمبر..)) ، ثم يضيف ((أن هتلر قائد عظيم ، ولا يوجد من يحل محله ، بالإضافة الى أن معظم الضباط الشباب في الجيش متحمسين جدا للقومية الاشتراكية فهم لن ينضموا او يحاولوا القيام بأي انقلاب عسكري ضد هتلر)) .

اذن فحسب قناعة رئيس اركان الجيش الالماني ، فان الأمة الالمانية -التي تؤيد ادولف هتلر تأييدا مطلقا- ستنظر للانقلاب على القيادة الالمانية على انه خيانة عظمى لها . وهذا ما سيضع الانقلابيين في مواجهة الامة الالمانية كلها ، بالإضافة الى المقاومة الشرسة التي سيبديها آلاف النازيين والضباط الشباب المؤمنين بحماس للقومية الاشتراكية والذين نجحوا بفرض سيطرتهم على المؤسسات الحكومية عموما والعسكرية والأمنية خصوصا ، لاسيما مع تنامي قوة الجناح العسكري والأمني للحزب النازي والمتمثل بقوات الاس اس ، ناهيك عن ان ادولف هتلر محاط شخصيا بالعديد من القادة النازيين المخلصين له والذين لا تقل اهميتهم عنه خاصة في مثل هكذا حالات.

هنا وأمام هذا الحال .. امام قناعة هالدر باستحالة نجاح أي انقلاب عسكري ضد القيادة الالمانية ، فحتما سيتساءل القراء الكرام كما تساءل صديق هالدر المقرب وباقي المتآمرين ، عن الحل .. عن كيفية تخطيهم لهذه العقبة طالما سعوا للإطاحة بقيادة الرايخ الثالث ..؟!!

يجيب هالدر بنفسه عن هذا السؤال ايضا ، ففي احد لقاءاته مع صديقه القديم كارل جوردلر في أوائل ابريل نيسان عام 1940 ، يوضح هالدر حل تلك العقبة بالقول ((..ان الوضع العسكري لألمانيا ، خصوصا بعد ابرام اتفاقية عدم الاعتداء مع الاتحاد السوفيتي ، سيجعل من خرق قسم اليمين للزعيم الالماني امرا لا يمكن تبرريه تماما ، إلا إذا واجهت ألمانيا الهزيمة الكاملة ، فحينها فقط يمكن ان يتخلى عن يمينه..)).

ان الباحث في هذا الشأن سيجد نفسه امام تصريح خطير يمثل في الحقيقة إستراتيجية كاملة لا مجرد رأي او كلمات عابرة كما قد يتصور البعض . فالفريق اول ركن فرانز هالدر وبحكم منصبه كرئيس لأركان الجيش الالماني (OKH.General.staff) وهي الهيئة العسكرية التي فاقت اهميتها على اهمية القيادة العليا للجيش الالماني (OKH) التي كان يترأسها متآمر اخر هو المشير- المهيب الركن براوختيش للفترة من 4/2/1938 الى 19/12/1941 ، فان هالدر كان يعتبر اكبر واهم شخصية عسكرية انخرطت في التآمر ضد القيادة الالمانية . فهو القائد الفعلي للجيش الالماني خاصة في الجبهة الشرقية التي شهدت - في عهده - بداية انطلاق عملية بارباراوسا (Barbarossa) لغزو الاتحاد السوفيتي ، والتي ستقرر مصير الحرب بأكملها بعد سنوات قليلة .

وبمعنى اوضح ، فان مثل هكذا تصريح يدلي به الفريق اول ركن فرانز هالدر وهو من كان يعد بمثابة القائد العسكري للمتآمرين ، في احدى لقاءاته مع صديقه العتيد كارل جوردلر والذي لم تكن لأي مؤامرة ان تحاك بدونه ، والذي يعتبر هو الاخر بمثابة القائد السياسي للمتآمرين ، لا يمكن ان يكون مجرد رأي عابر ابدا ، انما هو تعبير يختصر إستراتيجية متكاملة كان قد اوصى بها فرانز هالدر بعد سنوات طويلة من خدمته في الجيش الالماني ومن اطلاعه على الشأن الالماني عموما .

لقد رأى كبير المتآمرين وقائدهم العسكري الفريق اول ركن فرانز هالدر رئيس اركان الجيش الالماني ، بان خير وسيلة لضمان استمرار نجاح انقلابهم ضد القيادة الالمانية لا تنفيذه فحسب ، وخير وسيلة تضمن كسب اكبر عدد ممكن من الالمان مدنيين وعسكريين لا بل ربما حتى نازيين ايضا ، هو بإيصال الجيش الالماني برمته الى اليأس من احراز أي نصر او تقدم عسكري على الحلفاء .

وبمعنى اوضح اخر فقد اوصى هالدر باقي رفاقه المتآمرين بضرورة تخريب الجيش الالماني من الداخل بحيث يتسببوا في الحاق الهزيمة بالجيش الالماني في كل معركة يدخلها خاصة تلك التي يقترحها الزعيم الالماني بنفسه او يشرف عليها ، فعند تلك الحالة سيعتبر تخليهم عن قسم اليمين لزعيمهم وانقلابهم ضده ومن ثم عقدهم للصلح مع الحلفاء ، على انه عمل وطني مخلص انقذ البلاد من هزيمة محتمة لا خيانة عظمى للأمة ..!!!

وهكذا وفي سبيل ضمان نجاح الاطاحة بحكم الرايخ الثالث ، فقد تبنى المتآمرون استراتيجية جديدة تقوم على ما اوصى به كبيرهم فرانز هالدر بضرورة عدم السماح للجيش الالماني بتحقيق أي نصر او تقدم عسكري.

وأول من اعتمد على مبدأ هالدر اللاخلاقي هو الفريق اول ركن (المهيب الركن فيلد مارشال لاحقا) فريدريك باولوس (Friedrich.Paulus) قائد الجيش الالماني السادس في ستالينغراد والذي اعلن عن استسلام قواته للجيش السوفيتي بعد (8) ايام فقط من اعلان بنود مؤتمر الحلفاء المنعقد في الدار البيضاء . وهي اول هزيمة منيت بها القوات الالمانية في الجبهة الاهم بعد نحو (1640) يوما على القتال المرير والمعارك الضارية التي خاضها الالمان جندا وشعبا في الجبهة الشرقية سطروا فيها واحدة من اروع ملاحم البطولة والاستبسال والصمود في تاريخ الانسانية فهزمت امامهم دول وجيوش عدة وفرضوا سيطرتهم على معظم انحاء اوروبا وأجزاء واسعة من اسيا وأفريقيا وبحار ومحيطات العالم حتى ترنحت بريطانيا العظمى تحت ضرباتهم وأوشك الاتحاد السوفيتي على السقوط بأيديهم .. تلك هي الثلاثة سنوات ونصف السنة او(42) شهرا الاولى من الحرب العالمية الثانية .

روزفلت يرد على المعارضة الالمانية من الدار البيضاء :
بالرغم من ان المعارضة الالمانية كانت قد اوضحت للحلفاء بان سبب شرطهم الوحيد بعودة الحدود الالمانية لما كانت عليه عام 1914 ، يأتي من اجل تدعيم سلطتهم وموقفهم امام الشعب الالماني الذي كان احد اهم اسباب تأييده لأدولف هتلر هو نجاحه في استعادة حقوقهم التي سلبتها معاهدة فرساي ، مثلما سيضمن ايضا دعم الشعب الالماني لاتفاقية السلام مع دول الحلفاء ، فقد رفضت دول الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتحدة الامريكية القبول بأي استسلام الماني مشروط .

اما سبب رفض الحلفاء لاقتراح المعارضة الالمانية ، والذي كان من شانه ان يجنب الجميع المزيد من ماسي الحرب ولو على حساب القيادة الالمانية صاحبة الحق في الدفاع عن امتها من عدوان وتأمر الحلفاء عليها ، فيعود الى الاسباب الاتية :

1- عدم ثقة الحلفاء بقدرة المتآمرين الالمان على الاطاحة بالقيادة الالمانية التي لا تنحصر بشخص الزعيم الالماني ادولف هتلر فحسب بل بالعديد من اعضاء قيادة الحزب النازي كغوبلز وغورنغ وهملر والذين يتوزعون على عدة مواقع من اراضي الرايخ الثالث الشاسعة ، بالإضافة الى الالاف الضباط الموالين لها سواء في الجناح العسكري للحزب النازي اي قوات الاس اس او حتى في القوات المسلحة الالمانية الفيرماخت ، ناهيك عن دعم الشعب الالماني للقيادة الالمانية بل وحتى شعوب الدول التي احتلها الالمان .

2- تخوف الحلفاء من ايكون ذلك الاقتراح ، خطة من خطط هتلر الغير تقليدية لإيقاف الحرب ، اي وبمعنى اوضح قلقهم من استغلال القيادة الالمانية لخطة المعارضة وبما يصب في النهاية بمصلحة الرايخ الثالث لا المعارضة او الحلفاء ، لاسيما وان القيادة الالمانية سبق وان استخدمت اسلوب غريب في تحقيق ذلك كما هو الحال بالنسبة لمبادرة رودولف هيس نائب الزعيم الالماني الذي حلق بطائرته وهبط داخل الاراضي البريطانية في 10/5/1941 طالبا انهاء الحرب وعقد اتفاق سلام دائم مع بريطانيا بما في ذلك ضمان مصالح البريطانية خارج القارة الاوروبية باستثناء العراق الذي طالبت القيادة الالمانية باستقلاله عن الاستعمار البريطاني .

3- دفع المعارضة الالمانية الى المزيد من التآمر ضد القيادة الالمانية وإفشال خططها العسكرية وبالتالي الى المزيد من الهزائم حتى تصل الامة الالمانية الى حافة الانهيار التام وعندها لن يصبح التخلص من القيادة الالمانية امر يسير فحسب بل ومقبول ايضا من قبل الامة الالمانية برمتها حيث سينظر الالمان لانقلاب هؤلاء المتآمرين على انه عمل وطني صائب وسليم انقذهم امتهم في اللحظات الاخيرة من قيادة فاشلة كانت لتتسبب بالكارثة الاعظم في تاريخهم وهو الامر الذي من شانه ان يضمن تعاون كافة الالمان مع الحلفاء لا المعارضة الالمانية فقط .

4- زوال القوة العسكرية الهائلة التي بنائها ادولف هتلر وتدمير اكثر ما يمكن تدميره من القدرات الصناعية والاقتصادية لألمانيا بحيث يضمن الحلفاء خضوع الامة الالمانية برمتها وعدم اقدامها على اي محاولة للنهوض مرة اخرى تحد من هيمنة ونفوذ الحلفاء مستقبلا . 

5- الضغط على الاتحاد السوفيتي من اجل الاستمرار في حرب باهظة الثمن ماديا وبشريا ضد الرايخ الثالث وحلفائه وعدم عقد اي صلح مع القيادة الالمانية ، وهو الامر الذي من شانه ان يضمن استنزاف القدرات الالمانية الى اقصى حد.

كيف قابلت المعارضة الالمانية عناد الرئيس الامريكي :
بالرغم من تأكيد الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت على عدم قبول الحلفاء بأي استسلام الماني مشروط مهما كانت الظروف والمبررات ، فقد تريثت المعارضة الالمانية عن القيام بأي خطوة فعلية على ارض الواقع املا في ان يعدل روزفلت موقفه المتعنت هذا خاصة وان اعلان الرئيس الامريكي اثار موجة من عدم الرضى في صفوف الحلفاء .

ولكن وبعد ثمانية ايام من الانتظار ، ومع تلاشي أي امل للمعارضة الالمانية بتغير موقف الحلفاء من اقتراحها ، فقد اعلن المهيب الركن فريدريك باولوس قائد الجيش الالماني السادس المحاصر في ستالينغراد "وهو احد شخصيات المعارضة الالمانية" استسلام قواته والتي بلغ عدد افرادها (91.000) مقاتل للسوفيت . وتزامن اعلان باولوس عن استسلام قواته بعد نحو اسبوع على اعلان مؤتمر الدار البيضاء لا يمكن ان يفسر مجرد صدفة عابرة ، خاصة وان موقف قواته كان سيئا للغاية منذ عدة اسابيع وهو من رفض اقتراح مانشتاين بالانسحاب من مدينة ستالينغراد يوم 23 ديسمبر كانون الاول 1942.

أي وبمعنى اوضح فان باولوس كان ينتظر نتائج مؤتمر الدار البيضاء على احر من الجمر . فلو وافق الحلفاء الغربيون على اقتراح المعارضة الالمانية باستسلام الماني مشروط ، لأمكنهم حينذاك عقد صفقة تاريخية مع حليفهم الشرقي الاتحاد السوفيتي . ففي مقابل ايقاف موسكو لعملياتها العسكرية ضد الجيش الالماني السادس ، يتعهد الغرب بمنح موسكو مبدئيا بعض الامتيازات فضلا عن استمرار مساعدته التي اقرت في مؤتمر موسكو الاول في 1/10/1941.

وهذا الامر لو كتب له ان يتحقق فعلا ، لعادت الفائدة على الجميع ، فبالنسبة للسوفيت فان ايقاف القتال كان سيختزل عليهم الكثير من الوقت والجهد والتضحيات بل ولإعطائهم فرصة ثمينة لنيل مكاسب كبيرة بدون اي قتال وأي خسارة كاستعادة المناطق السوفيتية المحتلة من قبل الالمان او ضمان المصالح السوفيتية في الجزء الشرقي من اوروبا. وما يشجع على ذلك هو ان موقف الجيش الالماني السادس المحاصر في ستالينغراد لم يعد يشكل أي تهديد على امنهم بل كان جيشا منهكا جدا ، اما باقي الجيوش الالمانية في الجبهة الشرقية فلم تكن هي الاخرى بموقف جيد يتيح   لها تحقيق أي تغير ايجابي سريع لصالحها . أي وباختصار فحتى لو فشلت المعارضة بالإطاحة بحكم القيادة الالمانية فان موقف الجيش السوفيتي سيبقى هو الافضل وبالإمكان معاودة القتال وتحرير ستالينغراد وغيرها بقوة السلاح.

وبالنسبة للحفاء الغربيين فأنهم هم الاخرين سيحققوا الكثير من المكاسب وعلى رأسها التخلص من القيادة الالمانية والحزب النازي ، واستعادة البلدان والمناطق المحتلة من قبل الالمان سواء في اوروبا او في شمال افريقيا ، ومن ثم تفرغ الحلفاء لباقي دول المحور لاسيما اليابان ، وبذلك يتفادى الغرب المزيد من الخسائر والتضحيات سواء كانت بشرية او مادية عسكرية ومدينة ، وأخيرا الامساك بورقة ضغط كبيرة على الاتحاد السوفيتي وهي الورقة الالمانية بما يضمن للغرب كبح جماح السوفيت والشيوعية العالمية .

اما بالنسبة للمعارضة الالمانية فهي الاخرى ستكسب الكثير ، ففضلا عن الاطاحة بالقيادة الالمانية وبالحزب النازي ، فأنها ستضمن الشارع الالماني الى جانبها حيث سيظهر المتآمرين على انهم ابطال وطنيون جنبوا بلادهم المزيد الكوارث والتضحيات وأنقذوا الجيش الالماني السادس من الهلاك المحتم في ستالينغراد ناهيك عن اعادة الديمقراطية للحياة السياسية في المانيا ، وأخيرا ضمان المعارضة سلامة اعضائها من أي محاكمة دولية مستقبلا وإنهاء كابوس العقاب النازي الذي يتوقع المتآمرين حدوثه في أي لحظة فيما لو انكشفت حقيقتهم امام القيادة الالمانية . اذن فان اقتراح او مبادرة المعارضة الالمانية كانت ستخدم جميع الاطراف باستثناء القيادة الالمانية التي سيتم تحميلها كل ماسي الحرب حتى بما في ذلك الجرائم التي اقترفها السوفيت في بولندا وغيرها .

رد الرايخ الثالث على مؤتمر الدار البيضاء :
عقب اعلان مؤتمري واشنطن الاول في يناير كانون الثاني عام 1942 والدار البيضاء في يناير كانون الثاني عام 1943 ، شهدت الاحداث تراجع الماني كبير وعلى عدة جبهات . ففي يوم 2/2/1943 اعلن رسميا عن نكسة ستالينغراد ، ثم خسر الالمان شمال افريقيا برمته يوم 13/5/1943 بعد نحو عام على اول تراجع الماني في معركة العلمين الاولى (تموز 1942) ، كما شن الحلفاء هجومهم الاول لاحتلال جزيرة صقلية الاستراتيجية يوم 10/7/1943 ، واتبعوه بأول هجوم نحو الجبهة الجنوبية للرايخ الثالث والمتمثلة بايطاليا حيث نزلوا في سواحلها الجنوبية يوم 3/9/1943 .

اما معركة كورسك (يوليو تموز – اغسطس اب 1943) والتي سخرت لها القيادة الالمانية امكانيات وقدرات هائلة وبدلا من ان تعوض نكسة ستالينغراد فقد كانت نكسة استراتيجية اخرى بل اشد ضررا من سابقتها . فهذه المعركة حكم عليها بالفشل قبل حتى ان تبدأ ، حيث ان المخابرات البريطانية وبالتعاون مع شبكة لوسي التجسسية (Lucy.spy.ring) وضابط المخابرات الالماني هانز بيرند جيسيفيوس Hans.Bernd.Gisevius كانوا قد نقلوا جميع تفاصيل الاستعدادات الالمانية للاتحاد السوفيتي بما في ذلك شفرة الة انجما الشهيرة . ناهيك عن تجسس السكرتير الاول للسفارة الالمانية في طوكيو اريك كوردت Erich.Kordt لصالح عميل المخابرات السوفيتية ريخارد زورغه Richard.Sorge ، الذي كان ينقل له ادق المعلومات عن وضع القوات الالمانية في الجبهة الشرقية حتى قبل انطلاق حملة بارباراوسا في العشرين من يونيو حزيران عام 1941 وحتى اواخر عام 1944 كما ساهم السفير الالماني في طوكيو يوجين اوتEugen.Ott  ورجل الاعمال المزعوم ماكس كلوسين  Max.Clausenبالتجسس لصالح السوفيت ايضا ولكن لفترة محدودة .

أي وباختصار فان عام 1943 لم تشهد تحولا استراتيجيا جذريا في مسار الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء فحسب ، بل في مسيرة المعارضة الالمانية ايضا . حيث شهدت الثمانية عشر شهرا مابين فبراير شباط عام 1943 وحتى يوليو تموز عام 1944 احدى عشر مؤامرة ضد القيادة الالمانية ، كانت كل واحدة منها خطة متكاملة شارك فيها عشرات القادة والضباط والمسؤولين الالمان البارزين ، بالإضافة الى بعض الخطط التي نفرد بها اصحابها وانحصرت حول الاهداف الاهم وهو اغتيال الزعيم الالماني ادولف هتلر ولو كلف ذلك حياة المنفذ نفسه . وبإذن الله تعالى سنتناولها بالتفصيل لاحقا ضمن سلسلة حلقات دراستنا المعنونة (لماذا هُزمت المانيا) .

مع هذه التطورات والتحولات الاستراتيجية المهمة التي انعكست سلبا على الرايخ الثالث وأنذرت بما هو اسوء ، فقد ازداد حرص القيادة الالمانية وسعيها على استنباط خطط وأفكار جديدة غير تقليدية سواء على مستوى تصنيع الاسلحة الجديدة ، او على مستوى اتخاذ التدابير والإجراءات العسكرية الدفاعية والهجومية او على مستوى العلميات الاستخبارية الخاصة بالإضافة الى التدابير والإجراءات الاقتصادية . حيث اعلنت القيادة الالمانية وعلى لسان وزير دعاياتها الدكتور جوزيف غوبلز يوم 18/2/1943 اطلاق حملة (الحرب الشاملة) بدلا عن حملة (الحرب الخاطفة)  .

فعلى مستوى انتاج الاسلحة فقد شهد الاعوام 1942 و 1943 و 1944 البدء باستنباط واستحداث اسلحة جديدة وهي التي عرفت بأسلحة النصر كصواريخ (V1) الجوالة ، وصواريخ (V2) الباليستية ، والطائرات النفاثة الاعتراضية والقاصفة ، وطائرات الشبح بأنواعها ، ودبابات تايغر2 الاكثر تطورا . بالإضافة الى المدافع المسحوبة والذاتية الحركة والعملاقة ، وراجمات الصواريخ ، كما وجهت القيادة الالمانية الى تعزيز سلاح البحرية بإنتاج المزيد من غواصات (U) الشهيرة مع التأكيد على ضرورة رفع قدراتها وإمكانياتها الفنية . ناهيك عن الجهود المضنية التي بذلتها القيادة الالمانية لإتمام ما بات يعرف مؤخرا في الاوساط الصحفية بالسلاح الفتاك و السلاح السري واللذان ما زالا اسرارهما مبهمة الى يومنا هذا وسنتحدث عنه في حلقة خاصة بإذن الله تعالى .

وعلى مستوى التدابير الدفاعية ، فقد امرت القيادة الالمانية بإنشاء العديد من الخطوط الدفاعية الثابتة والمشيدة بالخرسانة المسلحة. وأهمها جدار الاطلسي الذي وقع الزعيم الالماني ادولف هتلر على المرسوم رقم 40 الخاص بإنشائه يوم 23/3/1942 ، وقد امتد هذا الجدار لـ(5.000) كم ابتدءا من شمال النرويج بالقرب من القطب الشمالي وحتى الحدود الفرنسية الاسبانية ، وضم آلاف الملاجئ والقلاع والحصون المشيدة بالخرسانة المسلحة وتم تزويده بمئات المدافع والأسلحة الدفاعية الثقيلة ناهيك الالغام والأسلاك الشائكة وموانع السفن والإنزال البرمائي ومضادات الجو . كما اصدر الزعيم الالماني مرسومه الرئاسي الخاص رقم (10) يوم 11/8/1943 للبدء بإنشاء خط الدفاع الشرقي (Ostwall) والمعروف ايضا بخط الفهد وتان (Panther–Wotan.line) والذي اقيم ابتدءا من بحر البلطيق شمالا وحتى البحر الاسود جنوبا بمحاذاة الضفة الغربية لنهر الدنيبر حيث بلغ طوله نحو 2400 كم ، وضم (6.000) حصن و (800) مخبئ محصن تحت الارض . طبعا ولاننسى الخطوط الدفاعية المتحركة التي اقامتها القيادة الالمانية في الجبهة الشرقية والغربية والجنوبية وتحديدا في ايطاليا والتي ضمت الالاف الدبابات والمدفعية والموانع والألغام لاسيما في المناطق الجبلية والوعرة .

وهنا لابد ان نذكر بان معركة كورسك ، كانت احدى اهم التدابير والإجراءات العسكرية الهجومية التي اتخذتها القيادة الالمانية لتعزيز موقفها العسكري في الجبهة الشرقية وعملية مراقبة الراين والمعروفة بمعركة الثغرة في الجبهة الغربية ومعركة مونتي كاسينو في ايطاليا بالإضافة الى معارك اخرى مهمة في الشرق والغرب والجنوب  فضلا عن معارك الغواصات .

اما على مستوى التدابير الاقتصادية التي اتخذتها القيادة الالمانية كجزء من حملة (الحرب الشاملة) لحشد كافة موارد الرايخ الثالث لدعم المجهود الحربي للقوات الالمانية ، فقد تم مثلا اغلاق (100) الف مطعم ونادي اجتماعي بالإضافة الى اعادة هيكلية نسبية للاقتصاد الالماني .

طبعا ولا ننسى قرار القيادة الالمانية للتوسع بالجناح العسكري للحزب النازي والمتمثل بقوات الاس الاس ورفدها بسلسلة كبيرة من الاسلحة الجديدة ، الى جانب تعزيز قدرات ومسؤولية جهاز المخابرات الخاص بالحزب النازي والمتمثل بالغستابو كبديل فعال وموثوق عن جهاز مخابرات الالمانية التقليدية الابفير الذي بدأت الشكوك تدور حول ولاءه اعضاءه ومدى فعاليتهم في انجاز المهام المكلفين بها.

وختاما فلقد كانت خطط وتوجهات القيادة الالمانية انفة الذكر ، كفيلة بان تحقيق الانتصار الساحق على الحلفاء لولا بعض قادة وضباط الفيرماخت والابفير ومسؤولي وزارة الخارجية الالمانية ، الذين لم يتآمروا ضد الزعيم الالماني ادولف هتلر او رفاقه فحسب ، بل وخانوا امتهم برمتها وتسببوا لها بأفدح الخسائر والتضحيات .  وعلى عكس مما يتوقعه البعض ، فلم تكن القيادة الالمانية غافلة عن مؤامرات المعارضة وخطط الحلفاء الاستخبارية الخبيثة ، بل كانت تعي وتعلم جيدا حجم التآمر والتخريب اللذان كانا يستهدفان الرايخ الثالث سرا وعلانية  .


نعم لقد عرفت القيادة الالمانية جيدا ما كان يحاك ضدها ، فخططت وتحسبت له هي ايضا ، وقولنا هذا لا يصدر عن عاطفة او محاولة لرفض الواقع والتسليم بنتائجه الحزينة كما قد يخيل للبعض ، بل نحن هنا نتحدث عن احداث وقعت بالفعل ، عن وقائع وحقائق مدعمة بالوثائق والمستندات بدأ جهاز الارشيف الاتحادي الالماني يكشف بعض تفاصيلها مؤخرا ، فلم تعد مجرد احساس او حدس او حتى نظرية خاصة بنا . فالخطط الاهم والأكثر فاعلية هي ما كانت القيادة الالمانية تعد العدة لها سرا ، هي الخطط التي كفلت لألمانيا ان تنهض مجددا وتوحد شطريّها وتمارس حقها الطبيعي في الحياة كدولة ذات شان دولي كبير يحسب لها الحساب اوروبيا وعالميا ، وهي مضمون الحلقتين المقبلتين في دراستنا هذه ، والتي نسعى الى نشرها خلال الاسبوعين القادمين بإذن الله تعالى.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته 
الرفيق رأفت علي
بغداد الجهاد
2014/8/30