02‏/06‏/2014

كيف هُـزمت المانيا // الحلقة الثانية : التآمر ضد هتلر قبل ان تبدأ الحرب


كيف هُـزمت المانيا ..؟!!
"الاسرار التي ظلت حبيسة اروقة المخابرات العالمية"

الحلقة الثانية : 
التآمر ضد هتلر قبل ان تبدأ الحرب

بقلم الرفيق رأفت علي
بغداد الجهاد
2014/5/20

تمهيد :
تناولنا في الحلقة السابقة سيرة الفريق اول ركن فرانز هالدر رئيس اركان الجيش الالماني مابين من 1938/9/1 وحتى 1942/9/24 ، اما في هذه الحلقة - وهي الاهم – فسنتناول ازمة اقليم السوديت وتداعياتها على القارة الاوروبية عموما وعلى الرايخ الثالث خصوصا ، كما سنتحدث عن مؤامرتي 1938و1939 واللتان لعب الفريق اول ركن فرانز هالدر دور محوري وأساسي فيهما .

كما سنبين الاسباب الحقيقية وراء مواقف نيفيل تشامبرلين رئيس الوزراء البريطاني حينذاك والتي ما يزال الكثير من المفكرين والساسة والإعلاميين يعتبرونها مواقف نبيلة سعى فيها تشامبرلين الى استرضاء هتلر واحتواء مطالبه وشروره ..!!!

ثم سنكشف عن أسماء اهم المشاركين في مؤامرتي 1938و1939 ، وعلاقتهم بالحكومة البريطانية واجهزة المخابرات العالمية والتي لم يتم الحديث عنها من قبل ، وفي نهاية الحلقة سنحاول ان نتعرف على الاسباب التي دفعت ببعض الالمان للتآمر ضد امتهم لا ضد قيادة الرايخ الثالث فحسب .


ازمة اقليم السوديت (Sudetenland) :
كان من نتائج الحرب العالمية الاولى ، وحسبما نصت عليه معاهدة فرساي ، فصل اقليم السوديت (28.500 كم مربع) ذا الاغلبية الالمانية من المانيا وضمه الى جمهورية تشيكوسلوفاكيا. ولكن ومع صعود الحزب النازي الى السلطة في المانيا ورغبته في اعادة توحيد الامة الالمانية ، فقد تحمس المواطنين الالمان في اقليم السوديت (3.200.000 الماني) لإقامة حكم ذاتي يوفر لهم الحرية الكاملة لاعتناق القومية الاشتراكية ويسمح لحزبهم القومي الاشتراكي بمزاولة العمل السياسي تمهيدا لمنحهم حق تقرير المصير اسوة باتفاق انشلوس (Anschluss) الذي امن انضمام النمسا سلميا لالمانيا .

 اقليم السوديت باللون الازرق الداكن

بطبيعة الحال ، فقد حلت رغبة ومطالب المان السوديت محل الترحيب الحار من قبل القيادة الالمانية التي اعلنت عن دعمها الكامل لاستعادة حقوق مواطنيها المسلوبة . فخلال يومي 28 و29 مارس اذار 1938 عقد الزعيم الالماني ادولف هتلر وكونراد هيلاين (Konrad.Henlein) رئيس الحزب النازي في اقليم السوديت اجتماعا في برلين ، واتفاقا على صياغة مطالب المواطنين الالمان في  السوديت . وبعد بضعة اسابيع وتحديد في 1938/4/28ومن مدينة كارلسباد (Karlsbader) النمساوية اعلن كونراد هيلاين عن مطالب المان السوديت .

مدينة كارلسباد النمساوية

مطالب المان السوديت التي اعلن عنها زعيمهم كونراد هيلاين والتي عرفت ببرنامج كارلسباد ، كانت قد لاقت ايضا تفهما ايجابيا من قبل حكومتي فرنسا وبريطانيا اللتان حرصتا على تجنب الحرب مع الرايخ الثالث بأي ثمن . فإدوار دالادييه (Édouard.Daladier) رئيس وزراء حكومة فرنسا لم يكن يرى ان في وسع بلاده القدرة على المواجهة العسكرية مع الالمان ، بينما تفهم ارثر نيفيل تشامبرلين (Arthur.Neville.Chamberlain) رئيس الوزراء البريطاني تطلعات القيادة الالمانية وشكاوى المواطنين الالمان في اقليم السوديت. كما دعم الزعيم الايطالي بينيتو اميلكر اندريا موسوليني (Benito.Amilcare.Andrea.Mussolini) الجهود الرامية لحل الازمة بالطرق الدبلوماسية وإعادة اقليم السوديت الى المانيا سلميا.
 
كونراد هيلاين زعيم المان السوديت

ولكن وعلى الرغم من الموقف الدولي الذي كان داعما للمطالب الالمانية ، فقد اعلن ادوارد بينش (Edvard.Beneš) رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا ، يوم 1938/5/20 عن رفضه التام لتنفيذ أي مطلب من مطالب الالمان . وبعد عشرة ايام من تعنت ادوارد بينش ، فقد وجدت القيادة الالمانية نفسها مرغمة على البدء باتخاذ التدابير العسكرية لاستعادة اقليم السوديت بالقوة . وما ان بدأت التحركات العسكرية التي قامت بها القوات الالمانية بالقرب من الحدود مع تشيكوسلوفاكيا في مايو ايار 1938 حتى فزعت الحكومة تشيكوسلوفاكية فتسرعت بإطلاق انذار خاطئ عن تعرضها لغزو الماني وشيك .

ادوارد بينش رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا

هكذا وبسبب تعنت الرئيس التشيكوسلوفاكي وموقفه السلبي ازاء المطالب الالمانية ، فقد وجهت القيادة الالمانية مؤسساتها العسكرية لوضع خطة كاملة لغزو تشيكوسلوفاكيا عرفت باسم الحالة الخضراء "Fall.Grün" بحيث لا تتجاوز يوم 1938/10/1.

استنادا الى توجيهات القيادة الالمانية ، فقد رفع رئيس هيئة اركان الجيش الالماني الفريق الاول ركن "كولونيل جنرال" فرانز ريتر فون هالدر تقريرا الى قيادته السياسية يشرح فيها خطته لاجتياح تشيكوسلوفاكيا مقترحا بان تقوم قوات الفريق اول ركن كارل رودلف غيرد فون رونشتيد Karl.Rudolf.Gerd.von.Rundstedt)) وقوات الفريق اول ركن فيلهلم ريتر فون ليب ( (Wilhelm.Ritter.von.Leeb بغزو تشيكوسلوفاكيا بحركة الكماشة وهي تكتيك عسكري تقليدي ومتعارف عليه في الاوساط العسكرية . إلا ان الزعيم الالماني ادولف هتلر وعلى عكس خطة هالدر ، كان قد اصدر الاوامر الى الفريق اول ركن والمتحمس للقومية الاشتراكية فالتر فون رايخيناو بوضع خطة خاصة لاحتلال العاصمة التشيكوسلوفاكية براغ

المهيب الركن (فيلدمارشال) كارل رودلف غيرد فون رونشتيد
قائد مجموعة الجيوش الجنوبية خلال حملة بارباراوسا ، كما تولى لاحقا مناصب مهمة في الجبهة الغربية ،اعتقل وقدم لمحكمة نورنبيرغ إلا انه افرج عنه في 1949/5/19 لأسباب صحية



المهيب الركن (فيلد مارشال) فيلهلم ريتر فون ليب
قائد مجموعة الجيوش الشمالية خلال حملة بارباراوسا
عُزل لاحقا في1942/1/18

عند هذه اللحظة تدخل الزعيم الايطالي بينيتو موسوليني وهو الصديق المقرب للزعيم الالماني ادولف هتلر بقوة حيث نجح في اقناع القيادة الالمانية للعودة الى طاولة المفاوضات السياسية التي انطلقت في الاشهر الاخيرة الماضية مع الحكومة التشيكوسلوفاكيا تحت رعاية حكومات ايطاليا وفرنسا وبريطانيا .


زعماء الدول الاربعة

وأخيرا فقد نجح المبعوث الدولي الخاص لحل الازمة في اقناع الرئيس التشيكوسلوفاكي ادوارد بينش على تنفيذ المطالب الالمانية. إلا ان الخطة الرابعة التي اعلن عنها ادوارد بينش يوم1938/9/2 لم تتضمن تنفيذ جميع مطالب المان السوديت التي اعلنها زعيمهم كونراد هيلاين قبل اكثر من اربعة اشهر في مدينة كارلسباد النمساوية . الامر الذي دفع بالمان السوديت يوم 1938/9/7 للخروج بمظاهرات حاشدة في مدينة أوسترافا (Ostrava) ، ومرة اخرى وعلى اثر قمع الشرطة التشيكوسلوفاكية لمظاهراتهم ومقتل بعض المتظاهرين الالمان ، فقد تأزمت الاحداث اكثر . حيث اعلن كونراد هيلاين زعيم المان السوديت من برلين يوم 1938/9/15 عن دعوته للاستيلاء على اقليم السوديت وإنقاذ ملايين الالمان فيه ، وحينها خطب الزعيم الالماني قائلا :

((أنا لا اطلب أن يُسمح لألمانيا قمع ثلاثة ملايين ونصف مليون فرنسي ، وأنا لا اسعى الى وضع ثلاثة ونصف مليون انجليزي تحت رحمتنا ، بل أنا اطالب وببساطة وقف قمع ثلاثة ملايين ونصف مليون ألماني في تشيكوسلوفاكيا ، وأن يتم الالتزام بمبدأ حق تقرير المصير)) . وأضاف قائلا (( .. ياسيد روزفلت من الواضح انه تم تجاهل حقيقة ان فلسطين محتلة حاليا من قبل الجنود الانكليز وليس الالمان ، وهذا البلد الذي تم تقييد حريته بالقوة الاكثر وحشية ، وتم سلب استقلاله ، يعاني من قسوة معاملة اليهود الدخلاء عليه . لذلك فان العرب الذين يعيشون في ذلك البلد لم يشتكوا للسيد روزفلت من العدوان الالماني ، لكنهم يعبرون بندائهم المستمر للعالم عن استيائهم للأساليب الوحشية التي تحاول بريطانيا من خلال قمع شعب يحب الحرية ويدافع عنها ، ربما هذه هي المشكلة التي ينبغي على العالم حلها على طاولة المفاوضات وأمام قضاء عادل ، وليس بالقوة والأساليب العسكرية والإعدامات الجماعية وحرق القرى وتفجير المنازل وما شابه . هنالك حقيقة واحدة مؤكدة في هذه القضية ، بريطانيا ليست في حالة الدفاع عن نفسها ضد هجوم عربي مُهِدد ، ولكنها دخيلا بدون دعوة تسعى الى اقامة سلطة في ارض ليست ملكا لها. وأنا لا يحق لي ان اسمح لدول اجنبية ان تخلق فلسطين ثانية هنا في قلب المانيا ، العرب المساكين مسالمون وقد تخلى عنهم الجميع ، الالمان في تشيكوسلوفاكيا هم مسالمون ايضا ولكن لن يتم التخلي عنهم ، تذكروا هذه الحقيقة)) كما ينقل عن الزعيم الالماني قوله ((يا شعب السوديت ، يا شعبي العظيم ، اتخذوا من الشعب الفلسطيني قدوة لكم ، فهو يقاوم الصهيونية والاستعمار وليس له من نصير ، اما انتم فان المانيا كلها ورائكم بالمال والسلاح)) .
كونراد هيلاين زعيم المان السوديت مع ادولف هتلر

وعلى تلك التطورات الخطيرة فقد اعلن رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين ، عن خطته الخاصة التي عرفت باسم خطة (Z) ، للالتقاء بالزعيم الالماني ادولف هتلر والسعي نحو التوصل إلى اتفاقية تعمل على إنهاء الأزمة . وفعلا فقد سافر تشامبرلين يوم 1938/9/29 إلى ألمانيا ولحق به إدوار دالادييه ، وموسوليني ، ورغم عدم قناعة ادولف هتلر بعرض تشامبرلين ، إلا ان تمسكه بإيجاد حل سلمي لازمة السوديت دفعت بالزعيم الالماني الى لقاء زعماء الدول ، الامر الذي اثبت مصداقية الزعيم الالماني وثباته على وعده وتصريحاته التي دأب على تكرارها بكونه ((رجل سلام لا يدفعه إلى الحرب سوى عناد الرئيس التشيكوسلوفاكي ادوارد بينش)) .

اجتمع زعماء المانيا وايطاليا وفرنسا وبريطانيا ليوم واحد في مدينة ميونيخ الالمانية وأصدروا بيانا ختاميا دعوا فيه الى اعادة اقليم السوديت الى المانيا خلال فترة لا تتعدى يوم 1938/10/10 وقد وصف تشامبرلين مؤتمر ميونيخ بـ "سلام العصر" ، وعرف الاتفاق باسم اتفاقية ميونيخ (Munich Agreement) .

 
الزعيم الايطالي بينيتو موسوليني


 
 رئيس الوزراء الفرنسي إدوار دالادييه


 
تشامبرلين يلوح بنتائج مؤتمر ميونيخ الذي وصفه بـ "سلام العصر"

وهكذا وأمام عزم الالمان وقيادتهم الوطنية وإصرارهم على عودة اراضيهم التي استقطعتها معاهدة فرساي الى وطنهم الام ، فقد رضخ الرئيس التشيكوسلوفاكي الى مطالبهم حتى قبل ان تنتهي المهلة المحددة . إلا ان الرئيس التشيكوسلوفاكي والذي كان احد المشاركين في صياغة معاهدة فرساي اعلن يوم 1938/10/5 وبتصرف غير مسؤول عن حله لحكومة بلاده وبالتالي تسليم اقليم السوديت الى المانيا ، ثم سافر الى لندن معلنا عن تشكيل حكومة تشيكوسلوفاكية في المنفى ، تاركا بلاده في فوضى خطيرة ..!!


 
فبولندا كانت قد ضمت منطقة زاولزي (Zaolzie) وتبلغ مساحتها (902) كم مربع لأراضيها ، و استحوذت هنغاريا على (11.882) كم مربع من تشيكوسلوفاكيا ، ثم على منطقة أوكرانيا الكارباتية (Carpatho.Ukraine) ومنطقة روثينيا الكارباتية (Carpathian.Ruthenia) ثم تم الاعلان يوم 1939/3/14عن قيام جمهورية سلوفاكيا التي اعترفت بها المانيا ودول عديدة اخرى .

وهكذا وجدت القيادة الالمانية نفسها مرغمة على توجيه قواتها المسلحة لاحتلال باقي اراضي جمهورية تشيكوسلوفاكيا ، حيث اعلن الزعيم الالماني يوم 1939/3/15 ومن على قلعة براغ منطقتي بوهيميا ومورافيا كمحمية المانية تتمتع بالحكم الذاتي .


خارطة تشيكوسلوفاكيا وتتضح فيها المناطق التي استحوذت عليها الدول المجاورة وتظهر ايضا حدود محميتي بوهيميا ومورافيا باللون البنفسجي الفاتح والتي تشكل 38% من مساحة جمهورية تشيكوسلوفكيا (49.363) كم مربع ويقطنها (7.380.000) نسمة ، كما تظهر حدود جمهورية سلوفاكيا باللون البرتقالي.

تداعيات ازمة اقليم السوديت على الرايخ الثالث :
على الرغم من ان احتلال تشيكوسلوفاكيا  لم يتم حينذاك ، لا وفق الخطة التي اعدها رئيس اركان الجيش الالماني فرانز هالدر ، ولا وفق الخطة التي امر بها الزعيم الالماني نفسه ، إلا ان هالدر ومعه بعض القادة العسكريين الالمان كانوا قد انزلقوا نحو منزلق خطير. فانطلاقا من اللحظة التي اهمل فيها الزعيم الالماني ادولف هتلر خطة رئيس هيئة اركان الجيش الالماني الفريق الاول ركن فرانز هالدر لغزو تشيكوسلوفاكيا ، فقد اندلعت شرارة الخلاف والانقسام والانشقاق بين قادة الجيش الالماني والذي ينحدر اغلبهم من عوائل ثرية ذات ارث عسكري قديم ، وبين قادة الحزب النازي الالماني وبعض قادة وضباط الجيش الذين امنوا بعقيدة الحزب القومية الاشتراكية وتقبلوا اوامر وخطط قيادتهم السياسية بإيمان وحماس منقطع النظير .

اي وباختصار شديد فقد كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، ومن هذه اللحظة لن يكون هنالك ثمة فرصة للتفاهم بين العسكريين التقليديين وبين النازيين خصوصا القادة العسكريين الذين امنوا بعقيدة الحزب النازي وتحمسوا لسياسة ادولف هتلر.

هكذا وعلى خلاف ما يعتقده الكثير من الناس ، فلم تدب الخلافات بين القادة العسكريين الالمان من جهة وبين القادة النازيين من جهة اخرى في المراحل الاخيرة من الحرب ، ولم تحصل من اجل ايقاف ما يسمى بجرائم الحرب او الابادة الالمانية بحق باقي الامم والشعوب ، مثلما لم تحصل الخلافات بسبب تدخل القيادة الالمانية الغير مسؤول في شؤون العسكريين كما يزعم البعض . بل ان تلك الخلافات انطلقت قبل عام كامل من اندلاع الحرب العالمية الثانية ، بل وبعض الشخصيات التي عارضت النظام النازي كان عدائها قد انطلق منذ الاشهر الاولى لتولي ادولف هتلر الحكم في المانيا ، كما هو الحال بالنسبة لرجال الدين والقادة العسكريين والمسؤولين الدبلوماسيين الكاثوليك والليبراليين فضلا عن الشيوعيين ، والذين تجاوزوا الحد المعقول او المتوقع في معارضتهم للقيادة الالمانية التي فازت بالانتخابات نزيهة لم يسجل عليها اي حالة تزوير او خرق لقانون الانتخابات الالماني . فرئيس اركان الجيش الالماني الفريق اول ركن فرانز هالدر ورئيس المخابرات الالمانية العامة الابفير (Abwehr) الفريق اول (الاميرال) فيليهام فرانز كناريس (Wilhelm.Franz.Canaris) وقادة عسكريين ودبلوماسيين اخرين لم ينو تنحية الزعيم الالماني ادولف هتلر من السلطة فحسب ، بل خططوا على تصفية الزعيم الالماني ادولف هتلر شخصيا بدعوى الحفاظ على السلام العالمي وضمان امن السلطة الجديدة . فالمتآمرون على اغتيال ادولف هتلر كانوا على قناعة تامة بان بقاء الزعيم الالماني على قيد الحياة يمثل بحد ذاته خطرا محدقا بمصيرهم الشخصي وبمستقبلهم السياسي .

إلا ان الزعيم الالماني وباعتراف المتآمرين انفسهم ، كان يحظى بدعم منقطع النظير من قبل مختلف فئات وشرائح الشعب الالماني ، كما كان رفاقه في قيادة الحزب النازي مخلصين له تماما ، فضلا عن تأييد العديد من القادة العسكريين للزعيم الالماني ادولف هتلر سواء بدافع ايمانهم بالعقيدة القومية الاشتراكية للحزب النازي او بدافع تأييدهم لسياسته التي انتهجها في اعادة بناء وتحيد الامة الالمانية وإلغاء الشروط المجحفة التي فرضتها معاهدة فرساي على بلادهم . وبالتالي فقد تردد المتآمرين كثيرا في تنفيذ انقلابهم ضد الزعيم الالماني ادولف هتلر حيث رؤوا بان الحزب النازي والقيادات العسكرية الداعمة له لن يقفوا مكتوفي الايدي بل سوف يدخلوا في مواجهة مسلحة مباشرة ضد الانقلابيين لاسيما وان معظم الشعب الالماني يؤيدهم في اسقاط السلطة الجديدة . ازاء هذه الحالة التي طالما اربكت المتآمرين مرارا وتكرارا ، فقد اتفقوا بان يعلنوا في بيانهم الانقلابي على انهم لم يسعوا الى اطلاق النار على الزعيم الالماني ادولف هتلر شخصيا انما ارادوا فقط ابعاده وبشكل سلمي عن السلطة حفاظا على السلام العالمي وتجنبا لحرب قد تكون كارثية على ابناء الشعب الالماني كله ، إلا ان "ادولف هتلر قد قُتل في حادث عرضي وهو يحاول الهروب منهم" ..!!! 

استراتيجية المتآمرين الاولى (تصفية ادولف هتلر شخصيا) :
خلقت ازمة اقليم السوديت تداعيات كثيرة على الدولة الالمانية ، فمعارضة القادة العسكريين والسياسيين ورجال الدين والاقتصاد للنظام النازي كانت قد دخلت في منعطف جديد وأكثر خطورة  مما سبق ، فبعدما كانت المعارضة مجرد خلافات فكرية او سياسية او حتى تذمر واستياء وعدم الرضا ، فقد تحولت الى مؤامرات استهدفت الاطاحة بالنظام النازي برمته وتصفية الزعيم الالماني ادولف هتلر شخصيا ، وفيما يلي اولى تلك المؤامرات : 
أ - مؤامرة اوستر سبتمبر / ايلول 1938 :
بالرغم من ان رئيس اركان الجيش الالماني الفريق اول ركن فرانز هالدر كان الاكثر جرأة من بقية المعارضين في عداوته للزعيم الالماني ادولف هتلر شخصيا ، وبالرغم من دوره الكبير او ربما الاكبر في المؤامرة التي كان من المفترض يقودها بنفسه مساء يوم 1938/9/29، إلا ان تلك المؤامرة قد عرفت بمؤامرة اوستر (Oster.Conspiracy) . وذلك نسبة الى ضابط المخابرات الالماني اللواء هانز اوستر والذي عرف عنه ذكائه ودهائه ألاستخباري الكبير وحقده على النظام النازي ككل وعلى العقيدة القومية الاشتراكية بالذات ، فضلا عن كونه المحور الاساسي للاتصالات السرية التي كانت تتم بين كبار القادة العسكريين والسياسيين المعارضين للحكم النازي .

فقد كان لهانز اوستر علاقات متينة بكبار القادة والمسؤولين الالمان وعلى رأسهم مدير المخابرات الالمانية العامة (Abwehr) الفريق اول (الاميرال) فيليهام فرانز كناريس ، والرئيس السابق لهيئة اركان الجيش الالماني الفريق اول ركن لودفيغ بيك ، وعمدة مدينة لايبزيغ كارل فريدريش جوردلر ، والدبلوماسي وضابط المخابرات الالماني هانز بيرند جيسيفيوس (Hans.Bernd.Gisevius) .

ومن الجدير ذكره هنا وحتى يتعرف القراء الكرام اكثر عن شخصية ضابط المخابرات الالماني هانز اوستر ، ففي عام 1936 تباحث اوستر مع زميله هانز بيرند جيسيفيوس حول كيفية الاطاحة بالزعيم الالماني ادولف هتلر ، وما اذا كان الانقلاب العسكري او اغتيال الزعيم الالماني ادولف هتلر هو الحل الامثل لتحقيق ذلك .   
أي ان هانز اوستر وكمثال للمعارضين للنظام النازي فلم يكن ضم النمسا الى المانيا ، او ازمة اقليم السوديت ، او نية الزعيم الالماني غزو تشيكوسلوفاكيا ، مثلما لم تكن الحرب او ما قيل عن جرائم الابادة والمحرقة ومعسكرات الاعتقالات ، سببا لان يقف اوستر ضد النظام النازي او مسوغا لاغتيال الزعيم الالماني ادولف هتلر وذلك لسبب واحد بسيط للغاية وهو ان تلك الاحداث لم تكن قد وقعت في عام 1936 ، أي حينما ناقش اوستر مع زميله جيسيفيوس مسالة الاطاحة بحكم زعيمهما ..!!!

على كل حال ، فان مؤامرة اوستر والتي كان من المفترض ان يقوم على تنفذها رئيس اركان الجيش الالماني فرانز هالدر مساء يوم 1938/9/29، لم يكتب لها ان تحدث اصلا . وذلك بسبب النجاح الكبير الذي حققته القيادة الالمانية في مؤتمر ميونيخ عصر ذلك اليوم . حيث خرج المجتمعين وهم كلا من رئيس الوزراء البريطاني ورئيس الوزراء الفرنسي والزعيم الايطالي الى جانب الزعيم الالماني ، ببيان ختامي يدعون فيه الرئيس التشيكوسلوفاكي الى اعادة اقليم السوديت الى المانيا خلال فترة لا تتعدى العشرة ايام ، وهو الامر الذي ارغم فرانز هالدر الى وقف فوري لمحاولة الانقلاب تلك والتي اشترك فيها العديد من قادة الجيش الالماني وبعض الشخصيات المدنية والدينية ، ومن ابرزهم :


 الفريق اول فيليهام فرانز كناريس
(Wilhelm.Franz.Canaris)
مدير المخابرات الالمانية الابفير من 1935/1/1 وحتى اعفاءه من منصبه في فبراير شباط 1944 حيث وضع تحت الاقامة الجبرية ثم اعتقل بعد فالكيري 
اعدم في 1945/4/9

اللواء هانز اوستر (Hans Oster)
مدير الشبعة المركزية في المخابرات الالمانية
اعدم في 1945/4/9
 
هانز بيرند جيسيفيوس
(Hans Bernd Gisevius)
الدبلوماسي وضابط المخابرات الالمانية ،زود مخابرات الحلفاء بمجموعة من اهم الاسرار العسكرية،على اثر فشل مؤامرة فالكيري يوليو تموز عام 1944 ، اختبئ في بيت عشيقته ثم هرب الى سويسرا يوم 1945/1/23ثم الى اسبانيا،شهد ضد القادة النازيين (غورنغ وكايتل وكالتنبرونر) في محكمة نورنبيرغ،برأته السلطات السويسرية من تهمة التجسس،في الخمسينيات انتقل للولايات المتحدة الامريكية ثم عاد الى سويسرا
توفي في المانيا عام 1974

 
المشير او المهيب الركن هينريش ألفريد هيرمان فون والتر براوخيتش
Heinrich Alfred Hermann Walther von Brauchitsch))
احيل الى التقاعد في 1941/12/19حيث قضى سنوات الحرب الثلاث القادمة في منتجع صيد (Tři.Trubkyفي جبال (Brdy) جنوب غربي براغ 
 

الفريق اول ركن لودفيغ بيك  (Ludwig Beck)
انتحر عقب فشل مؤامرة 1944/7/20


الفريق بوركهارد مولر هيلدبراند
(Burkhard Mueler-Hildebrand)
معاون فرانز هالدر رئيس اركان الجيش الالماني،اعتقل حتى يناير كانون الثاني 1948
عمل في قسم الدراسات التاريخية التابع للجيش الامريكي،ثم في وزارة الدفاع لألمانيا الغربية،في 1961/3/15عين في حلف الناتو نائبا لرئاسة اركان للخطط والاستراتيجيات ،توفي بالمانيا 1987/2/16
 
الفريق اول ركن اريش هويـبنير (Erich Hoepner)
اعدم في   1944/8/8
الفريق اول ركن كورت فون هاميرستن
(Kurt von Hammerstein-Equord)
توفي بالسرطان في 1943/4/25
ورفضت عائلته تشييعه بجنازة رسمية كي لا يلف بالعلم الالماني
كما رفضت وضع اكيل الزهور على قبره والذي بعثه لهم الزعيم الالماني
 
الفريق اول ركن كارل هاينريش فون ستولفنايكل
(Carl-Heinrich von Stülpnagel)
شنق نفسه يوم 1944/8/30
بعد ان حكمت عليه المحكمة الالمانية بالإعدام لتورطه في المؤامرة
 
المشير او المهيب الركن
ايرون فون فيتزليـبـيـن (Erwin von Witzleben)
اعدم في 1944/8/8

 العقيد كلاوس فون شتاوفنبرج
(Claus von Stauffenberg)
وهو نفسه منفذ عملية فالكيري
التي استهدف اغتيال الزعيم الالماني يوم 1944/7/20
اعدم في اليوم التالي
 الرائد هانز يورغن غراف فون بلومنتال
(Hans-Jürgen Graf von Blumenthal)
اعدم في 1944/10/13

هيلمار شاخت هوراس غريلي
Hjalmar Horace Greeley Schacht))
وزير الاقتصاد في حكومة ادولف هتلر 34 - 1937
وهو المصرفي والسياسي الليبرالي ،ومؤسس الحزب الديمقراطي الالماني 
عام 1918 ، برأته محكمة نورنبيرغ من أي تهمة
 
 

البارون ارنست فريهر فون فايتسكر
 (Ernst Freiherr von Weizsäcker)
وزير الدولة للشؤون الخارجية من 1938 وحتى 1943
السفير الالماني في الفاتيكان من عام 1943 وحتى 1945
كان معارضا لغزو تشيكوسلوفاكيا وللنازية وللشيوعية وحاول التفاوض مع الحلفاء للحصول على استسلام الماني دون شروط ، اعتقل في1947/7/25 ، اتهم بالتورط في ترحيل يهود فرنسا الى معتقل اوشفيتز وصدر حكما بسجنه 7 سنوات ثم افرج عنه عام 1949 ، توفي 1951 ، اصبح ابنه ريتشارد رئيسا لألمانيا الغربية من 1984 وحتى 1994


 الدبلوماسي فريدريش آدم فون تروت زو سولز 
Friedrich Adam von Trott zu Solz))
اعدم في 1944/8/26



الدبلوماسي اريك كوردت(Erich Kordt) 
القائم بأعمال السفير الالماني في لندن
شهد لصالح فايتسكر في محكمة نورنبيرغ
في عام 1951 اصبح استاذا في القانون الدولي بجامعة كولونيا
توفي عام 1969
 
 كارل فريدريش جوردلر
(Carl Friedrich Goerdeler)
عمدة مدينة لايبزيغ السابق والخبير الاقتصادي والسياسي المحافظ
لم تكن اي مؤامرة ضد القيادة الالمانية لتحاك من دونه
اعدم في 1945/2/2


جاكوب كايزرJakob Kaiser))
سياسي ورجل دين كاثوليكي،احتفظ بعلاقة متينة مع كارل جوردلر
وتعرف من خلاله على العقيد كلاوس فون شتاوفنبرج،
كما كان جزءا من حلقة معارضي كولونيا
توفي ببرلين عام 1961


جوزيف مولر Josef Müller))
ارسلته المعارضة الألمانية إلى روما في عام 1939
لكي يطلب مساعدة بابا الفاتيكان للإطاحة بحكم الزعيم الالماني ادولف هتلر
بعد الحرب اسس الاتحاد الاجتماعي المسيحي  (CSU)، اصبح وزير العدل ثم نائبا لرئيس الوزراء في المانيا الغربية حتى استقال عام 1952  ، توفي بميونيخ 1979

ديتريش بونهوفر(Dietrich Bonhoeffer)
كان قس لوثري يدعو الى المسيحية الغير متدينة اشتهر بمعارضته للقومية الاشتراكية كما كان صديقا مقربا لفيليهام كناريس مدير المخابرات الالمانية
اعدم في 1945/4/9


ب - مؤامرة زوسن نوفمبر / تشرين الثاني 1939 :
زوسن بلدة جنوب برلين اصبحت منذ عام 1939 منطقة لأهم المؤسسات العسكرية الالمانية .


بلدة زوسن Zossen جنوب برلين

في اوائل شهر نوفمبر تشرين الثاني عام 1939، ابلغ رئيس اركان الجيش الالماني فرانز هالدر رئيسه قائد القيادة العليا للجيش الالماني (OKH) هينريش ألفريد هيرمان فون والتر براوخيتش الذي كان برتبة فريق ركن (جنرال) حينذاك ، عن دعمه له في حالة قيادته لانقلاب عسكري ضد الزعيم الالماني ادولف هتلر يضع حدا لتوسعات هتلر العسكرية ، إلا ان براوخيتش رفض ذلك .

ثم اتفق براوخيتش وهالدر تنفيذ انقلابهم في اليوم الذي يقرر فيه الزعيم الالماني غزو فرنسا ، والذي يعتبروه عملا فاشلا . لهذا فقد حاول براوخيتش تأجيل غزو فرنسا اثناء لقاءه يوم 1939/11/5 بزعيمه ادولف هتلر متذرعا بان الروح المعنوية للجيش الالماني أسوأ مما كانت عليه في عام 1918 ، الامر الذي جعل الزعيم الالماني ادولف هتلر يوجه توبيخ كبير لبراوخيتش نفسه واصفا اياه بعدم الكفاءة .

على اثر ذلك الاجتماع ونظرا لردة فعل الزعيم الالماني وغضبه وسخطه على براوخيتش فقد فاتح براوخيتش وهالدر صديقهم الخبير الاقتصادي والسياسي الملكي كارل فريدريش جوردلر بان الإطاحة بأدولف هتلر لن يكتب له النجاح مالم  يضموا اليهم مزيدا من ضباط وقادة الجيش الالماني . كما ان على تأجيل غزو فرنسا بسبب العواصف الثلجية الكبيرة التي عمت في اوروبا يوم 1939/11/7 كان قد ادى ايضا الى تأجيل تنفيذ انقلاب هالدر – براوخيتش على القيادة الالمانية .

في يوم 23 /11/ 1939 اجتمع جوردلر بهالدر وطلب منه أن يعيد النظر في موقفه ، فأجابه هالدر موضحا له الاسباب التي جعلته لا يرغب في القيام بأي محاولة انقلاب ضد الزعيم ادولف هتلر . حيث قال له :
((أن الرجال الذين قاموا بثورة نوفمبر تشرين الثاني عام 1918 والذين وقعوا على الهدنة التي اخرجت ألمانيا من حرب خاسرة ، حازوا على كراهية جميع الالمان حيث اسموهم بمجرمي نوفمبر)). وأضاف هالدر ((بان الفريق إيريك لودندورف الذي شن هجوم الربيع في مارس اذار عام 1918 ، وتسبب في الحاق الهزيمة بألمانيا في نوفمبر تشرين الثاني من نفس العام ،  لم تمس سمعته بل على العكس فقد اعتبر كأحد ابطال ألمانيا. لذلك فحتى لو فشل هتلر في غزوه لفرنسا فشلا ذريعا ، فان معظم الالمان سيستمرون في تأييده ما لم يفقد مصداقيته وهو امر غير مرجح ، وبالتالي فان اي شخص يقف ضد هتلر  لإيقاف الحرب سيتم اعتباره كمجرم نوفمبر جديد ، لذلك فلن يقوم الجيش الالماني بأي تحرك ضده)) . كما اوضح هالدر لصديقه جوردلر ((أن هتلر قائد عظيما ، ولا يوجد من يحل محله ، بالإضافة الى أن معظم الضباط الشباب في الجيش متحمسين جدا للقومية الاشتراكية فهم لن ينضموا او يحاولوا القيام بأي انقلاب عسكري ضد هتلر)) وأضاف هالدر قائلا ((بان هتلر يستحق فرصة أخيرة نقل الشعب الألماني من عبودية الرأسمالية الإنجليزية ، وأخيرا فلن يتمرد احدا عندما يكون وجها لوجه مع العدو)).  

وهكذا ورغم كل جهود الكبيرة التي بذلها جوردلر ، فلم يغير هالدر فكرته ، الذي كان يعاني الكثير من الضغوطات النفسية ، فرغم معارضة هالدر لخطط ادولف هتلر بتوسيع الحرب ، فقد كان شأنه شائن جميع الضباط الالمان قد ادوا يمين الولاء الشخصي لزعيم بلادهم ادولف هتلر ، الامر الذي جعل هالدر وسط دوامة كبيرة من الاضطراب والتناقض . لقد وجد هالدر نفسه في موقف عسير للغاية ، بين معارضته لزعيمه وتخطيطه للإطاحة بحكمه ، وبين يمين الولاء الذي قدمه له ، حيث عرف على الالمان تمسكهم القوي به ، خاصة وان ادولف هتلر كان زعيما المانيا يدعمه عشرات الملايين من الالمان ناهيك عن آلاف الضباط الشباب المؤمنين بحماس بالقومية الاشتراكية وبزعيمها زعيم امتهم .  وفي هذا الصدد يشير احد الضباط الالمان المقربين من رئيس اركان الجيش الالماني فرانز هالدر في مذكراته بعد الحرب ، في تلك الفترة ولأسابيع عديدة ((كان هالدر حريص على حمل مسدسه الشخصي في كل مرة يلتقي فيها "اميل" -وهو الاسم الكودي الذي اطلقه المتآمرون على ادولف هتلر- إلا انه كان مترددا في اطلاق النار عليه)) .

هالدر وسط دموعه وأحزانه وتناقضاته ، كان يعتقد بان التخلص من الزعيم الالماني ادولف هتلر ، يمكن ان يتحقق في حالة واحدة ، حينما تصبح الاوضاع يائسة جدا فعندها قد يقوم الزعيم الالماني بإطلاق النار على نفسه .

في أوائل ابريل نيسان عام 1940 ، وبينما لم تكن الحرب الفعلية قد اندلعت بعد ، وجه الخبير الاقتصادي والسياسي الالماني الملكي المحافظ كارل فريدريش جوردلر ، دعوة الى صديقه رئيس اركان الجيش الالماني الفريق الركن فرانز هالدر للتباحث في مسالة مهمة للغاية . استجاب هالدر الى دعوة صديقه المقرب بلا تردد فعقدا اجتماعا سريا ، طلب فيه جوردلر من صديقه القديم ، التفكير مرة اخرى بقيادة انقلاب عسكري اخر ضد القيادة الالمانية ، لاسيما وان بمقدورهم استغلال ما عرف حينها بالحرب المزيفة أي حالة اللاحرب واللاسلم الذي كانت تمر به اوروبا ، حيث امل جوردلر احلال السلام مع بريطانيا وفرنسا قبل ان تبدأ القيادة الالمانية بتنفيذ غزوها الوشيك لفرنسا .

هالدر ورغم معارضته الشديدة لتوجهات القيادة الالمانية وغم عدم ايمانه بالقومية الاشتراكية وتطلعه الى ازالتها ، إلا انه رفض طلب صديقه رفضا قاطعا ، الامر الذي دعى جوردلر ان يتخذ موقفا اكثر صراحة وحزما مع صديقه العتيد ، حيث اوضح له قائلا :

((أن الكثير من الناس هم بحكم الميتين مسبقا في هذه الحرب ، ورفضك في هذه المرحلة للإطاحة بحكم ادولف هتلر سيضع دماء ملايين الناس بين يديك والتي بإمكانك اليوم ان تحافظ عليها)) . عندها ، رد هالدر على صديقه موضحا ((بأن اداءه قسم اليمين لهتلر ، واعتقاده بان المانيا ستنتصر حتما في هذه الحرب ، هما من حالا دون وقوفه ضد النظام النازي)) وأضاف هالدر ((ان الوضع العسكري لألمانيا ، خصوصا بعد ابرام اتفاقية عدم الاعتداء مع الاتحاد السوفيتي ، سيجعل من خرق يمينه للزعيم الالماني  امرا لا يمكن تبرريه تماما ، إلا إذا واجهت ألمانيا الهزيمة الكاملة ، فحينها فقط يمكن ان يتخلى عن يمينه)).
استراتيجية المتآمرين الثانية (افشال خطط هتلر العسكرية) :
من خلال دراستنا لحوارات رئيس اركان الجيش الالماني فرانز هالدر مع صديقه المقرب كارل جوردلر ، يتبين لنا بان هالدر ، كان متيقنا تماما بان مصير أي انقلاب عسكري يجري تنفيذه ضد قيادة الرايخ الثالث سيكون مصيرا مأساويا ومحتوما بالفشل الذريع سواء تم اعتقال الزعيم الالماني او تمت تصفيته شخصيا. 

ما سبب الفشل المحتوم بنظر رئيس اركان الجيش الالماني..؟!!
يجيب هالدر بنفسه عن هذا السؤال ، حيث يخبر صديقه جوردلر في يوم 23/11/1939 ، قائلا ((.. أن الرجال الذين قاموا بثورة نوفمبر تشرين الثاني عام 1918 والذين وقعوا على الهدنة التي اخرجت ألمانيا من حرب خاسرة ، حازوا على كراهية جميع الالمان حيث اسموهم بمجرمي نوفمبر..)) ، ثم يضيف ((أن هتلر قائد عظيما ، ولا يوجد من يحل محله ، بالإضافة الى أن معظم الضباط الشباب في الجيش متحمسين جدا للقومية الاشتراكية فهم لن ينضموا او يحاولوا القيام بأي انقلاب عسكري ضد هتلر)) .

اذن فحسب قناعة رئيس اركان الجيش الالماني ، فان الأمة الالمانية -التي تؤيد ادولف هتلر تأييدا مطلقا- ستنظر للانقلاب على القيادة الالمانية على انه خيانة عظمى لها . وهذا ما سيضع الانقلابيين في مواجهة الامة الالمانية كلها ، بالإضافة الى المقاومة الشرسة التي سيبديها آلاف النازيين والضباط الشباب المؤمنين بحماس للقومية الاشتراكية والذين نجحوا بفرض سيطرتهم على المؤسسات الحكومية عموما والعسكرية والأمنية خصوصا ، لاسيما مع تنامي قوة الجناح العسكري والأمني للحزب النازي والمتمثل بقوات الاس اس ، ناهيك عن ان ادولف هتلر محاط شخصيا بالعديد من القادة النازيين المخلصين له والذين لا تقل اهميتهم عنه خاصة في مثل هكذا حالات.

هنا وأمام هذا الحال .. امام قناعة هالدر باستحالة نجاح أي انقلاب عسكري ضد القيادة الالمانية ، فحتما سيتساءل القراء الكرام كما تساءل صديق هالدر المقرب وباقي المتآمرين عن الحل .. عن كيفية تخطيهم لهذه العقبة طالما سعوا للإطاحة بقيادة الرايخ الثالث ..؟!!
يجيب هالدر بنفسه عن هذا السؤال ايضا ، ففي احد لقاءاته مع صديقه القديم كارل جوردلر في أوائل ابريل نيسان عام 1940 ، يوضح هالدر حل تلك العقبة بالقول ((..ان الوضع العسكري لألمانيا ، خصوصا بعد ابرام اتفاقية عدم الاعتداء مع الاتحاد السوفيتي ، سيجعل من خرق قسم اليمين للزعيم الالماني امرا لا يمكن تبرريه تماما ، إلا إذا واجهت ألمانيا الهزيمة الكاملة ، فحينها فقط يمكن ان يتخلى عن يمينه..)) .

ان الباحث في هذا الشأن سيجد نفسه امام تصريح خطير يمثل في الحقيقة إستراتيجية كاملة لا مجرد رأي او كلمات عابرة كما قد يتصور البعض . فالفريق اول ركن فرانز هالدر وبحكم منصبه كرئيس لأركان الجيش الالماني (OKH.General.staff) وهي الهيئة العسكرية التي فاقت اهميتها على اهمية القيادة العليا للجيش الالماني (OKH) التي كان يترأسها متآمر اخر هو المشير- المهيب الركن براوختيش للفترة من 1938/2/4الى 1941/12/19، فان هالدر كان يعتبر اكبر واهم شخصية عسكرية انخرطت في التآمر ضد القيادة الالمانية . فهو القائد الفعلي للجيش الالماني خاصة في الجبهة الشرقية التي شهدت - في عهده - بداية انطلاق عملية بارباراوسا (Barbarossa) لغزو الاتحاد السوفيتي ، والتي ستقرر مصير الحرب بأكملها بعد سنوات قليلة .

 
عملية بارباراوسا (Barbarossa) لغزو الاتحاد السوفيتي التي انطلقت في 1941/6/22

اي وبمعنى اوضح ، فان مثل هكذا تصريح يدلي به الفريق اول ركن فرانز هالدر وهو من كان يعد بمثابة القائد العسكري للمتآمرين ، في احدى لقاءاته مع صديقه العتيد كارل جوردلر والذي لم تكن لأي مؤامرة ان تحاك بدونه ، والذي يعتبر هو الاخر بمثابة القائد السياسي للمتآمرين ، لا يمكن ان يكون مجرد رأي عابر ابدا ، انما هو تعبير يختصر إستراتيجية متكاملة كان قد اوصى بها فرانز هالدر بعد سنوات طويلة من خدمته في الجيش الالماني ومن اطلاعه على الشأن الالماني عموما .

لقد رأى كبير المتآمرين وقائدهم العسكري الفريق اول ركن فرانز هالدر رئيس اركان الجيش الالماني ، بان خير وسيلة لضمان استمرار نجاح انقلابهم ضد القيادة الالمانية لا تنفيذه فحسب ، وخير وسيلة تضمن كسب اكبر عدد ممكن من الالمان مدنيين وعسكريين لا بل ربما حتى نازيين ايضا ، هو بإيصال الجيش الالماني برمته الى اليأس من احراز أي نصر او تقدم عسكري على الحلفاء .

أي وبمعنى اوضح فقد اوصى هالدر باقي رفاقه المتآمرين بضرورة تخريب الجيش الالماني من الداخل بحيث يتسببوا في الحاق الهزيمة بالجيش الالماني في كل معركة يدخلها خاصة تلك التي يقترحها الزعيم الالماني بنفسه او يشرف عليها ، فعند تلك الحالة سيعتبر تخليهم عن قسم اليمين لزعيمهم وانقلابهم ضده ومن ثم عقدهم للصلح مع الحلفاء ، على انه عمل وطني مخلص انقذ البلاد من هزيمة محتمة لا خيانة عظمى للأمة ..!!!

وهكذا وفي سبيل ضمان نجاح الاطاحة بحكم الرايخ الثالث ، فقد تبنى المتآمرون استراتيجية جديدة تقوم على ما اوصى به كبيرهم فرانز هالدر بضرورة عدم السماح للجيش الالماني بتحقيق أي نصر او تقدم عسكري خاصة اذا ما كانت  . وأول من اعتمد على مبدأ هالدر اللاخلاقي هو الفريق اول ركن (المهيب الركن – فيلد مارشال لاحقا) فريدريك باولوس  قائد الجيش الالماني السادس الذي كان يسيطر على 90 % من مدينة ستالينغراد
المهيب الركن فريدريك فيلهايمز إرنست باولوس
أصبح مديرا لمعهد بحوث التاريخ العسكري في مدينة دريسدن
بالمانيا الشرقية وتوفى في 1/2/ 1957 .

وبمناسبة حديثنا عن باولوس ومعركة ستالينغراد ، فنود هنا ان نشير وباختصار الى الحقيقة التي طالما خفيت عن الجميع ، فاستسلام باولوس للسوفيت لم يكن سوى احدى مسرحيات المتآمرين ضد القيادة الالمانية واحدى افضع الجرائم التي ارتكبها الخونة بحق الامة الالمانية . والموقف العسكري الذي وضع باولوس فيه نفسه و(107.800) مقاتل الماني وعرضهم للإبادة المحتومة في السجون السوفيتية ، كان عملا مدبرا بطريقة او بأخرى من قبل باولوس نفسه .

اما الدبلوماسي الالماني اريك كوردت والذي كان احد كبار المتامرين ضد القيادة الالمانية ، فقد لعب دوره التخريبي في معركة ستالينغراد خاصة ومعارك الالمان على الجبهة الشرقية عموما. حيث كان ينقل معلومات عسكرية في غاية الاهمية تتعلق بوضع القوات الالمانية في الجبهة الشرقية الى الجاسوس السوفيتي ريخارد زورغه (Richard.Sorge) ، كان قد ساعده للحصول عليها سلسلة من المتآمرين في الجيش الالماني .

كما ساهم ضابط المخابرات الالماني هانز بيرند جيـسـيـفـيـوس وعبر تعاونه مع شبكة لوسي التجسسية مساهمة فاعلة في تسريب المعلومات العسكرية الخاصة بالقوات الالمانية في الجبهة الشرقية الى المخابرات السويسرية والبريطانية (SIS) والسوفيتية (GRU) . حيث زود الجاسوس الشيوعي الهنغاري الجنسية اليهودي الديانة اليكساندر رادو (Alexander.Radó) بأهم الخطط والعمليات العسكرية للجيش الالماني منها العملية الزرقاء (Case.Blue) اي الهجوم الالماني الصيفي المضاد والذي انطلق يوم 1942/6/28 واستمر حتى يوم 1942/11/24 لاحتلال منطقة القوقاز ومعركة كورسك التي تعتبر ستالينغراد الثانية من حيث الاهمية والنتائج .

كما ثبت تورط العديد من قادة حملة بارباراوسا في التآمر ضد القيادة الالمانية وفي انتهاج سياسة تخريب الجيش الالماني من الداخل قبل الحرب وخلالها . كالمهيب الركن براوخيتش والمهيب الركن مانشتاين والمهيب الركن فون ليب والمهيب الركن رونشتيد والفريق اول ركن هالدر والفريق اول ركن كورت زايتسلر والفريق اول ركن فالتر فينك والفريق اول ركن هاينز جوديريان والفريق اول ركن ستولفنايكل واللواء هانز سبيدل .
الفريق اول ركن كورت زايتسلر(Kurt Zeitzler)
عمل بعد الحرب في شعبة الدراسات التاريخية في الجيش الامريكي

الفريق اول ركن فالتر فينك (Walther Wenck)
تآمر ضد القيادة الالمانية خلال معركة برلين
اعتقل سنتين بعد الحرب وتوفى عام 1982 بحادث سير
الفريق اول ركن هاينز جوديريان
Heinz Wilhelm Guderian))
كان قائد بارع في سلاح الدبابات إلا انه كثيرا ما كان ينتقد القيادة الالمانية علنا
اعتقل بعد الحرب لثلاثة سنوات وكان احد ابرز الداعمين لإصلاح الجيش في المانيا الغربية ، توفى 1954/5/14

اللواء هانز سبيدل (Hans.Speidel)
نعتذر عن تقديم اي معلومات موجزة عنه
ونوعد قرائنا الكرام بتناول سيرته ودوره التخريبي البالغ الخطورة
ضمن دراستنا عن خيانة روميل .

حقيقة المواقف البريطانية : 
على مدار 75 عاما مضت وتحديدا منذ عام 1938 واغلب الناس بما فيهم الساسة والباحثين والمؤرخين ، يعتقدون بان الحكومة البريطانية ، كانت صادقة النوايا في سياستها الرامية لحل ازمات القارة الاوروبية بالطرق السليمة. ويشفعون اعتقادهم هذا بسياسة رئيس الوزراء البريطاني حينذاك نيفيل ارثر تشامبرلين الذي سخر كل جهود بلاده من تجنيب اوروبا ويلات حرب عالمية اخرى .

إلا اننا ومن خلال دراستنا لتلك الحقبة الزمنية المهمة التي سبقت اندلاع شرارة الحرب العالمية الثانية ، وبالاستناد الى مصادر عالمية سياسية وتاريخية ، ثبت لنا ان الحكومة البريطانية لم تكن صادقة لا في نواياها ولا في سياساتها مطلقا . فتشامبرلين لم يبذل جهوده تلك من اجلال احلال سلام العصر كما ادعى ، بل على العكس ، كان يهيئ الظروف المناسبة لتدمير الامة الالمانية برمتها لا مجرد الاطاحة بحكم الزعيم الالماني ادولف هتلر فحسب .

 فحكومة رئيس الوزراء البريطاني ، كانت وبنفس الوقت الذي  تضع يدها فيه بيد القيادة الالمانية لحل ازمة اقليم السوديت مع تشيكوسلوفاكيا ، كانت تضع يدها الاخرى بأيدي الرئيس التشيكوسلوفاكي الذي رفض الحل تلك الازمة سلميا . بل والاسوء من ذلك ، وبينما كان رئيس الوزراء البريطاني يصافح الزعيم الالماني بحرارة ، فقد كان يضع يديه بأيدي المتآمرين على القيادة الالمانية وبحرارة اكثر .وما بات يعرف بسياسة استرضاء هتلر لم تكن في الحقيقة سوى سياسة توريط لا غير ، وسنبين ذلك فيما يلي :

أ- علاقة الحكومة البريطانية بالمتآمرين الالمان: دبلوماسية ام تأمر وخيانة ..؟!!
في اواخر مايو ايار – وبداية يونيو حزيران عام 1938 ، وعلى اثر توجيه الزعيم الالماني لقادته العسكريين بوضع خطة لغزو تشيكوسلوفاكيا بعدما رفض رئيسها ادوارد بينش تنفيذ مطالب المان السوديت ، فقد بدا بعض القادة العسكريين الالمان اتصالاتهم السرية بوزارة الخارجية البريطانية

حيث كان من بين الذين اجروا اتصالات مع الحكومة البريطانية ، رئيس أركان الجيش الالماني (OKH) حينذاك وهو الفريق اول ركن لودفيغ بيك الذي اعتبر ((غزو المانيا لتشيكوسلوفاكيا عملا ليس غير اخلاقيا فحسب بل ومتهورا ايضا كونه سيتسبب بإلحاق الهزيمة بألمانيا )) . لذلك اتفق بيك مع ضابط المخابرات الالمانية اللواء هانز اوستر بإرسال مبعوثين إلى باريس ولندن لتقديم المشورة من حكومتي فرنسا وبريطانيا لمقاومة اوامر زعيمهم ادولف هتلر وتعزيز نفوذ المعارضين له في الجيش الالماني .

التآمر ضد الزعيم الالماني ادولف هتلر والاتصال بحكومة بريطانيا ، لم يقتصر على القادة او الضباط العسكريين الالمان ، بل شمل ايضا العديد من الشخصيات السياسية الالمانية بما فيهم بعض الوزراء وكبار الموظفين في حكومة ادولف هتلر . فوزير الدولة للشؤون الخارجية البارون ارنست فايتسكر كان قد بعث برسائل خاصة إلى لندن يحث فيها على مقاومة هتلر ، إلا ان حكومتي بريطانيا وفرنسا لم تكونا واثقتين تماما من قدرة المعارضة الألمانية على قلب نظام الحكم النازي. حيث كتب مسؤول من وزارة الخارجية البريطانية في 28/8/ 1938 (( لقد جاءتنا زيارات مماثلة من مبعوثين اخريين كالدكتور جوردلر ، ولكن أولئك المبعوثين لم يعطوا لنا أي سبب مقنع بقدرتهم على الإطاحة بالنظام ))  . ويردف مسؤول وزارة الخارجية البريطانية قائلا (( أحداث يونيو حزيران 1934 -يقصد ليلة السكاكين الطويلة- و فبراير شباط  1938 ...!!! لا تعطي الامل بإمكانية قيام الجيش بأي عمل مجدي ضد النظام )) . بينما يُرجع رئيس الوزراء البريطاني ارثر نيفيل تشامبرلين سبب فشل الألمان بالإطاحة بزعيمهم في عام 1938 بقوله ((على ما يبدو فان المقاومة التي ضمت العديد من الافراد لم تكن منظمة بشكل جيد)).

اما بالنسبة لصلة الفريق اول فيليهام كناريس مدير المخابرات الالمانية بالحكومة البريطانية ، فقد أعلن البريطانيون بعد انتهاء الحرب بأن كناريس كان يمدهم بأدق تفاصيل المعلومات العسكرية السرية ، إلا ان أحد كبار رجال المخابرات البريطانية يدعي بان المعلومات التي قدمها كناريس كانت زائفة او عديمة الجدوى لذا فان المخابرات البريطانية تجاهلتها ..!!!

كما ان المبعوث الالماني الى الصين المحامي فريدريش سولز  ، استغل عمله الرسمي للحصول على الدعم الدولي للمتآمرين . ففي عام 1939 وقبل نشوب الحرب ، زار الدبلوماسي الالماني سولز لندن ثلاث مرات التقى خلالها بوزير الخارجية البريطاني اللورد هاليفاكس (Lord.Halifax) والسفير البريطاني في واشنطن اللورد لوثيان (Lord.Lothian) ، وذلك من اجل الضغط على حكومة بلادهم للتخلي عن سياستها المهادنة تجاه بلده المانيا . اما بُعيد اندلاع الحرب ، فقد زار الدبلوماسي الالماني واشنطن وذلك في أكتوبر تشرين الاول من عام 1939 الا انه فشل في الحصول على الدعم الأمريكي. هذا وتبين وثائق المتآمرين واجتماعاتهم بان الدبلوماسي الالماني سولز كان من المفترض ان يعين وزيرا للخارجية الالمانية ومسؤولا عن التفاوض مع الحلفاء الغربيون في حال نجاح المؤامرة.

اما القائم بأعمال السفارة الالمانية في العاصمة البريطانية لندن اريك كوردت (Erich.Kordt)  ، فقد كان يعتبر قناة الاتصال الاكثر اهمية بين المتآمرين والحكومة البريطانية . فكوردت كان دائما يحث البريطانيين لعدم الاستجابة لمطالب القيادة الالمانية او بالأحرى لعدم التجاوب مع مطالب المان السوديت في منحهم حق تقرير المصير . كما استخدم كوردت شقيقه تيودور (Theodor) في اتصالاته بالحكومة البريطانية من اجل الوقوف بوجه الزعيم الالماني ادولف هتلر ريثما يتمكن بعض قادة الجيش الالماني من تنفيذ انقلابهم العسكري على القيادة الالمانية .  كما حذر اريك كوردت المستشار الدبلوماسي للحكومة البريطانية البارون روبرت فانستارت (Robert.Vansittart) اثناء لقاءاتهما في يونيو حزيران عام 1939 ، من خطر المفاوضات التي كانت تجري سرا بين ألمانيا والاتحاد السوفيتي. كما ابدى كوردت اسفه ازاء تجاهل الحكومة البريطانية لجهود التقارب التي بذلها المتآمرون في وزارة الخارجية الألمانية .

وبمناسبة الحديث عن اريك كوردت والذي اصبح في ابريل نيسان عام 1941 سكرتير أول للسفارة الالمانية في طوكيو ثم اصبح القنصل الالماني في مدنية نانجنج (Nánjīng) الصينية  كان قد استغل عمله الرسمي في التجسس لصالح الجاسوس السوفيتي ريخارد زورغه (Richard.Sorge) حتى عام 1944 حيث اكتشفت المخابرات اليابانية نشاطاتهما التجسسية وبين تم اعدام الجاسوس السوفيتي فقد نجى كوردت من محاولة استهدفت اغتياله.

اما ضابط المخابرات الالماني هانز بيرند جيـسـيـفـيـوس (Hans.Bernd.Gisevius) فقد كانت لديه علاقات وثيقة بعدد من اجهزة المخابرات العالمية لا الحكومة البريطانية فحسب . فقد استغل وظيفته الرسمية في العمل بالقنصلية الالمانية في مدينة زيورخ السويسرية لإجراء محادثات سرية مع الفاتيكان لدعم جهود المعارضة الالمانية ضد قيادة الرايخ الثالث . ثم اصبح في عام 1943 وبدعم من فيليهام كناريس مدير المخابرات الالمانية نائبا عن القنصل الالماني في زيورخ ، حيث استغل منصبه الجديد ليكون ضابط الاتصال بين رئيس مكتب الخدمات الاستراتيجية الامريكية (OSS) ألن دالاس (وهو مؤسس وكالة المخابرات المركزية الامريكية) من جهة وبين المعارضة الالمانية للنظام النازي من جهة اخرى . كما تعاون جيـسـيـفـيـوس مع شبكة لوسي التجسسية (Lucy.spy.ring) - نسبة الى مدينة لوسرن (Lucerne) السويسرية - التي انشائها اللاجئ الالماني رودولف روسلر (Rudolf.Roessler) في سويسرا بعد سفره من المانيا عام 1933 على اثر وصول ادولف هتلر للحكم . حيث عرف على روسلر معارضته للعقيدة القومية الاشتراكية حيث انشئ دارا للنشر خصصها لمهاجمة عقيدة الحزب النازي.

وعن طبيعة ما بات يعرف بمقاومة هتلر او المقاومة الالمانية ضد النازية ، يقول المؤرخ الألماني كلاوس يورغن مولر ((أن المتآمرين كانوا تجمع فضفاض ضم مجموعتين مختلفتين ، المجموعة الاولى وتضم رئيس هيئة الأركان العامة لودفيغ بيك ، ورئيس المخابرات الالمانية الفريق اول فيلهلم كاناريس ، ووزير الدولة للشؤون الخارجية البارون ارنست فايتسكر وهم من يمثلون "مناهضة الحرب" ​​في الحكومة الألمانية ، الذين كانوا مصممين على تجنب الحرب في عام 1938 حيث شعروا بأن المانيا سوف تخسر الحرب وهؤلاء لم يكونوا يسعوا الى الإطاحة بالنظام)) ثم يضيف مولر قائلا (( إلا ان المجموعة الاولى وهم مناهضي الحرب كانوا قد تحالفوا مع المجموعة الثانية الأكثر تطرفا التي مثلت "المقاومة ضد النازية" وضمت بين صفوفها ضابط المخابرات هانز اوستر وهانز جيسيفيوس  ، التي أرادت استغلال الأزمة كذريعة لتنفيذ الإطاحة بالنظام النازي)) .

وفي كل الاحوال ، فان اتصالات اؤلئك القادة والمسؤولين الالمان بالحكومة البريطانية ، لم تكن اتصالا رسمية لتجنب الحرب او في سبيل الضغط على القيادة الالمانية لتتمسك بالطرق السلمية لحل الازمات السياسية التي تسببت بها معاهدي فرساي الجائرة ، بل كانت تهدف الى الاطاحة بحكم الرايخ الثالث . اما عدم تجاوب الحكومة البريطانية مع مساعي المتآمرين الالمان فلم تكن ابدا من باب احترامها لمبادئ عدم التدخل في شؤون باقي الدول ولا حرصا على سلامة القيادة الالمانية بالطبع ، بل كانت نتيجة عدم ثقة الحكومة البريطانية بقدرات اؤلئك الخونة على الاطاحة بحكم الزعيم الالماني ادولف هتلر .

ب - سياسة بريطانيا : استرضاء هتلر ام توريطه..؟!!
كما سبق وذكرنا ، فقد اشيع عن رئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين اتباعه لسياسة عرفت بسياسة استرضاء هتلر والتي لم تكن في الحقيقة سوى سياسة توريط لألمانيا كلها لا لقيادتها فحسب . فتشامبرلين لم يكن الحمل الوديع كما يصور ، وبالمقابل لم يكن هتلر الذئب الطامع في قطيع الحملان ابدا ، ونحن هنا لا نتحدث عن مؤامرة مزعومة ابدا .

ان أي باحث يرغب فعلا في معرفة الحقائق ، سيجد ان بريطانيا العظمى وفي موقف متناقض تماما وبنفس الوقت الذي كانت تعتبر فيه معاهدة فرساي ظالمة لحقوق الشعب الالماني وسلبت منه اقليم السوديت بالكامل ، وكان رئيس وزراءها تشامبرلين يتباحث من اجل منح حق تقرير المصير لألمان السوديت ، كانت تدعم الرئيس التشيكوسلوفاكي الذي كان احد ابرز المشاركين في صياغة بنود معاهدة فرساي الظالمة والذي استمر برفض منح حق تقرير المصير لألمان السوديت ..!!

والدليل على دعم الحكومة البريطانية للرئيس التشيكوسلوفاكي ، هو ان ادوارد بينش والذي رفض أي اقتراح لحل ازمة اقليم السوديت ، بل ورفض حتى اتفاقية ميونيخ التي سعى الى اصدارها رئيس الوزراء البريطاني تشامبرلين واسماها بسلام العصر ، كان قد اصدر يوم 1938/10/5 ومن دون ان يرغمه احد ، وبدون أي مسوغ سياسي او اخلاقي ، عن حل حكومته مفضلا ان يضع بلاده في مهب الريح على ان منح المان السوديت حق تقرير المصير الذي نصت عليه اتفاقية ميونيخ واعترفت به الحكومة البريطانية ذاتها . ورغم ذلك ، وفي حدث يثبت حقيقة السياسة البريطانية الماكرة ، فقد استقبلت الحكومة البريطانية ادوارد بينش ورحبت به ضيفا عزيزا عليها فمنحته حق اللجوء السياسي وسمحت له بتشكيل حكومة منفى على اراضيها .

فلو صدقت نوايا الانكليز في معالجة ازمات القارة الاوروبية سليما ، لما سمحت للرئيس التشيكوسلوفاكي بذلك ، بل لحملته مسؤولية تفكك بلاده وتسببه في خلق ازمة سياسية لأوروبا كلها اخطر من سابقتها .

والاسوء من هذا كله هو حينما يلقي الساسة والباحثين والمؤرخين مسؤولية ضياع تشيكوسلوفاكيا على عاتق الزعيم الالماني ادولف هتلر ، ويعتبروا اعلانه عن منطقتي بوهيميا ومورافيا كمحمية المانية تتمتع بحكم الذاتي بعد خمسة شهور من حل ادوارد بينش حكومته ، دليلا على ان هتلر لم يكن يسعى لحل الازمة سليما بل ولم يكن يسعى اصلا لمنح المان السوديت حق تقرير المصير فحسب ، بل كان يطمع ويخطط لاحتلال تشيكوسلوفاكيا برمتها..!!!

ان اهمية وخطورة ما قام به رئيس جمهورية تشيكوسلوفاكيا ، تأتي بنظرنا نحن كبداية فعلية غير معلنة لاندلاع شرارة الحرب العالمية الثانية . فعلى الرغم من ان اعلان حكومتي بريطانيا وفرنسا الحرب على المانيا جاء عقب غزو المانيا لبولندا يوم 1939/9/1 ، إلا ان اضطرار الزعيم الالماني ادولف هتلر يوم 1939/3/15عن اعلان منطقتي بوهيميا ومورافيا كمحمية المانية تتمتع بحكم الذاتي ، شوه صورة القيادة الالمانية بأنها تسعى للحرب والعدوان لا لاسترجاع حقوق مواطنيها الالمان . وأعطى الفرصة الذهبية التي طالما انتظرتها القادة والضباط والمسؤولين الالمان الذين عارضوا ادولف هتلر ، وذلك من اجل تبرير تآمرهم ضد القيادة الالمانية امام باقي زملائهم لاسيما المترددين منهم . أي وباختصار شديد فقد جرى توريط المانيا في فخ تشيكوسلوفاكيا وللأسف الشديد فقد ابتلع الالمان ذلك الطعم الخبيث المسموم .

اما ادوارد بينش ورغم عنجهيته وصلفه وعجرفته السياسية ، ورغم تسببه في ازمة كبرى وسط اوروبا ورغم مسؤوليته القانونية والأخلاقية عن ضياع بلاده وتفككها ، فلم ينبس احد ضده ببنت شفة ..!!!

ولكن وطالما كانت بريطانيا تدعمه سرا ومن ثم علنا وطالما كانت له علاقات وطيدة بالصهاينة فلا عجب في ذلك ، ولا عجب في تعنت ادوارد بينش وسياسته المتعجرفة . وان كان الزعيم الالماني ادولف هتلر قد قال حينذاك ((بكونه رجل سلام لا يدفعه إلى الحرب سوى عناد الرئيس التشيكوسلوفاكي ادوارد بينش)) فأننا اليوم لا نجد إلا ان نقول ((ان كان ثمة من تقع على كاهله مسؤولية اندلاع الحرب العالمية الثانية في اوروبا فهو ادوارد بينش اولا وقبل أي شخص اخر )) .




إدوارد بينش في لقاءه مع الحاخام حاييم اليعازر سبيرا (Chaim Elazar Spira) عام 1936 لمناقشة دعم المدرسة اليهودية (Machzike Torah) والجمعيات اليهودية الخيرية .

لماذا خان هولاء الالمان امتهم ..؟!!
من المتعارف عليه في تاريخ الامم والشعوب ، فقد يختلف القادة العسكريون مع القادة السياسيون في بعض المسائل لاسيما في الازمات الحادة والظروف العصيبة ، بل قد يصل الحال الى تمرد القادة العسكريين على اوامر وتوجيهات قيادتهم السياسية التي يرون اجراءاتها غير مناسبة عسكريا ، بل ومن المتوقع ان تصير بعض المشادات الكلامية بين الطرفين لاسيما وان كانت القيادة السياسية غير ملمة ومطلعة على الشؤون العسكرية .

اما ان يصل الحال بالقادة العسكريين للتخطيط باغتيال شخوص قيادتهم السياسية فهذا ما لا يمكن تفهمه ولا القبول به ، خاصة وان كانت ظروف دولتهم غير حرجة ولا تعاني من ازمات حادة وخطيرة تهدد صميم امن امتهم وشعبهم . وفي حالة كحالتنا هذه لم تكن الدولة الالمانية تعاني من أي ازمة حادة مثلما لم يكن امن الشعب الالماني مهدد في الصميم ، بل على العكس كانت الامة الالمانية في افضل حالاتها سياسيا وحتى عسكريا ، فان تخطيط القادة العسكريين لاغتيال زعيم امتهم شخصيا وهو من يحظى بدعم شعبي منقطع النظير ، فلن يعتبر كعمل تآمري ضد قيادة الامة فحسب بل وكخيانة عظمى للأمة والشعب الذي استودع كامل ثقته في تلك القيادة .

بل ان الاسوء من ذلك كله هو ان يخطط قادة عسكريين ويتآمروا لاغتيال قيادتهم السياسية المنتخبة ديمقراطيا والتي تضع هموم ابناء شعبها على مسؤوليتها فالقيادة الالمانية نجحت في احداث ثورة اقتصادية وعلمية اسطورية خلقت على اثرها (6.000,000) ستة ملايين فرصة عمل ، وشرعت في بناء الالاف المشاريع العملاقة والتي كان جزءا كبيرا منها مشاريع تنفذ لأول مرة في العالم كما هو الحال بالنسبة لشق طرق المرور السريع وسن قوانين حماية البيئة والحيوانات المهددة بالانقراض ناهيك عن نجاحها في استرجاع حقوق الامة الالمانية التي سلبتها معاهدة فرساي الجائرة حيث اعيد توحيد النمسا مع المانيا ثم اعقبها منح حق تقرير المصير لألمان السوديت وبالتالي عودتهم الى دولتهم الام .

فعلى خلاف ما يعتقده الكثيرين وعلى خلاف ما يروج له اعداء القومية الاشتراكية ، فالقيادة الالمانية لم تأتي للسلطة من اجل خوض الحروب او استعمار العالم ، مثلما لم يكن لا في عقيدتها ولا في برامجها السياسية والأمنية أي نية لارتكاب جرائم حرب او ابادة او هولوكوست ، اما الدليل على اكذوبة هذه التهم التي الصقت بالنازيين فسنتناولها في بحث خاص مدعم بالصور ومقاطع الفيديو والوثائق وشهادات من كانوا في معسكرات الاعتقال والعمل .

كما ان قيام القيادة الالمانية ورغم خلافها العقائدي العميق مع الشيوعية بإبرام اتفاقية سلام وتفاهم وعدم اعتداء مع الاتحاد السوفيتي وهو الدولة الشيوعية الاولى في العالم ، تعطي دليل اخر على ان القيادة الالمانية لم تأتي للسلطة وهي مدفوعة بمشاعر الحقد والكراهية والانتقام . كما ان المساعي السياسية والدبلوماسية السلمية التي بذلتها القيادة الالمانية من اجل اعادة التوحيد والاندماج مع النمسا ومع السوديت ومع بروسيا الشرقية تعطي الادلة تلو الادلة على حقيقة توجه ونوايا القيادة الالمانية.

ولاننسى بان القيادة الالمانية ورغم رفضها مع باقي الدول الكبرى في العديد من السياسيات المنهجية التي كانت تلك الدول تتبعها كما هو الحال بالنسبة لفلسطين ووعد بلفور والمصالح الغير مشروعية التي ارتبطت بها مع الصهيونية العالمية ، إلا ان القيادة الالمانية لم يكن لها أي خلاف سياسي مع بريطانيا وفرنسا وحتى مع الولايات المتحدة الامريكية قبل اعلان هذه الدول حربها على المانيا .

اذن هنا نتسأل ، ومن حقنا وواجبنا ان نفعل ذلك وبإصرار مستمر ، ما الذي دفع برئيس اركان الجيش الالماني الفريق اول ركن فرانز هالدر وأمثاله من كبار قادة الجيش الالماني والموظفين الحكوميين والوزراء للتآمر ضد القيادة الالمانية والتخطيط لتصفيتها جسديا والحديث هنا قبل نشوب الحرب ، بل في السنوات الاولى لحكم ادولف هتلر ..؟!!

ما الذي جعل وزراء في الحكومة يتآمرون ضد رئيس حكومتهم هم اعرف الناس بانجازاته كما فعل وزير الاقتصاد هيلمار شاخت الذي كان من اشد المعجبين بالسياسة الاقتصادية التي انتهجها ادولف هتلر ..؟!!

ما الذي دفع بقادة عسكريين كبار كانوا من اشد المؤيدين لسياسة هتلر بانتزاع حقوق المانيا من معاهدة فرساي المجحفة ، كالفريق اول ركن لودفيغ بيك ..؟!!

ما الذي جعل قادة عسكريين هم خير من حصد ثمار انجازات القيادة الالمانية حيث تضاعفت مرتباتهم وازدادت مكانتهم ورقيت رتبهم العسكرية ومناصبهم الرسمية ، لان ينقلب على قيادته ويتآمر عليها ، بل ان بعضهم كان مدين لزعيمه ادولف هتلر شخصيا بالفضل لحله الكثير من مشاكله الشخصية كما هو الحال مع  المهيب الركن براوخيتش الذي منحه هتلر مبلغا ضخما من المال ليسدد مبلغا كان بذمته لطليقته الثرية ..؟!!

ما الذي يجعل موظفين كبار يتمتعون بالسلطة والمال والنفوذ لان يعرضوا خدماتهم التآمرية للآخرين ، كما فعل مثلا كوردت الذي كان يحث الحكومة البريطانية على منع اعطاء ابناء شعبه في اقليم السوديت حق تقرير مصيرهم وهو الحق الذي كفلته كافة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ..؟!!

ثم لنقارن بين وضع هؤلاء المتآمرين حينما كانوا في وظائفهم ومناصبهم الحكومية تحت قيادة زعيم امتهم ادولف هتلر ، وبين ما ال اليه اوضاعهم بعد الحرب . ففضلا عن خسارة بلادهم للحرب وعن الدمار الذي لحق بها ، وفضلا عن وفاة الملايين من ابناء شعبهم عسكريين ومدنيين ، فهم ان عفى عليهم الحلفاء في الغرب حاسبهم الحلفاء في الشرق وان عفى الطرفان عنهما فبالكاد اصبحوا موظفين صغار او منحوا التقاعد ..؟!!

ان الاجابة على هذه الاسئلة تكمن في معرفة احدى بديهيات الحياة وطبيعة النفس البشرية ، فنجاح القومية الاشتراكية في كسب ود واحترام الاغلبية الساحقة من الشعب الالماني ، جعلت باقي الاحزاب السياسية والحركات الدينية في المانيا تنظر بعين الحسد والحقد والكراهية على الحزب النازي الذي لم يكتسح البرلمان الالماني فحسب بل ونجح في كسب عقول وقلوب الالمان . كما ان نجاح الزعيم ادولف هتلر في تحقيق العديد من المكاسب والمنجزات لأبناء شعبه الذين رفعوه الى مصافي قادة التاريخ العظام ، ولم يكن قبل ذلك سوى جندي فقير ومفكر الماني ودعائي يلهب الحماس في صدور كل من استمع اليه ، قد جعل ابناء العوائل الثرية او ذات الارث العسكري او البيروقراطي يكنون له كل مشاعر الغيرة والكراهية بعد ان تفجرت عقدهم النفسية بالشعور بالنقص من هذا العريف الذي اصبح قائد عظيم لأمة عظيمة .

نعم ، وألف نعم ، فعقدة النقص التي عانها من فرانز هالدر وهو رئيس اركان الجيش الالماني والذي ينحدر من عائلة ذو تاريخ عسكري كبير هي من دفعت به وحرضته للتآمر على الزعيم الالماني ادولف هتلر . وإذا ما دققنا في اقوال ومذكرات هالدر سنجد الدليل تلو الدليل على صحة وصواب استنتاجنا هذا ، فهالدر لم يتحمل ابدا ان يرى خططه العسكرية تفشل في الميدان وهو الفريق الركن ذو الامجاد العسكرية بينما تنجح الخطط العسكرية التي كان يضعها ادولف هتلر بنفسه او يشرف عليها رغم انه لم يكن سوى عريف في الجيش الالماني خدم في الجبهة الغربية ابان الحرب العالمية الاولى . ففي حين توقع هالدر فشل غزو المانيا للدنمارك والنرويج وفرنسا ، فقد اثبتت الاحداث مدى صحة الخطط التي حازت على موافقة ادولف هتلر شخصيا.

ومثلما عانى هالدر من عقدته النفسية ، فقد عانى رئيس أركان الجيش الالماني (OKH) ابان ازمة اقليم السوديت الفريق اول ركن لودفيغ بيك منها ، فبينما توقع بيك بان غزو المانيا لتشيكوسلوفاكيا سيلحق بالألمان هزيمة ساحقة ، فقد اثبتت الايام والأحداث مدى حكمة الزعيم الالماني ادولف هتلر الذي استطاع وبدون اطلاق رصاصة واحدة من استعادة حقوق المان السوديت.

لقد دلت الاحداث وأثبتت الوقائع والوثائق بأنه ومثلما عانى المتآمرون في الجيش الالماني عقدهم النفسية من نجاح الخطط العسكرية التي وضعها ادولف هتلر او اشرف عليها بنفسه ، فقد عانى المتآمرين في الخارجية والمخابرات الالمانية عقدهم النفسية هم الاخرين بسبب النجاح الكبير الذي احرزته القيادة الالمانية في معالجة القضايا والأزمات السياسية بعد ان حقق نجاحه الباهر في انعاش الاحوال الداخلية للأمة الالمانية  .

اما السياسيين الذين انتموا للأحزاب السياسية ، وفضلا عن قيام الزعيم الالماني ادولف هتلر بحظر احزابهم بعد توليه زمام الامور في برلين ، فقد وجدوا في عقيدة الحزب النازي القومية الاشتراكية خطرا عقائديا يحدق بهم وتنذر بزوال عقائدهم من رؤوس جل الالمان . فالقومية الاشتراكية التي اكتسحت البرلمان وقلوب الالمان قد اكتسحت وبجدارة عقولهم ايضا ، فغالبية الشعب الالماني امن وبقوة وحماس منقطعة النظير بالقومية الاشتراكية بينما بدأت بقية الاحزاب بالتحلل والتفكك الفكري . فالأحزاب السياسية رأت انه وإذا ما استمر الحال في المانيا على ما هو عليه ، فلن يبقى لها بقية وستندثر افكارها لا ان تتوسع كما هو معروف عندما يتم حظر حزب ما في احدى دول العالم .

اما رجال الدين فلم يجدوا عقيدة الحزب النازي وتوجهات القيادة الالمانية العلنية ونواياها السرية ، مجرد خصم كبير او حتى عدوا او ندا لهم ، بل وجدوا فيها شئ اكبر واخطر ، شئ تخطى حدود قدرتهم في السكوت عليه. فالحزب النازي كان قد بدا بهدم صميم عقيدتهم الدينية التي اعتبرها الزعيم الالماني محرفة من قبل اليهودية العالمية حتى بات الدين في المانيا يفتقد للإيمان الحقيقي وخالي من أي وعد او حماس اخروي حسب وصف الزعيم الالماني ادولف هتلر نفسه .

هكذا وأمام هذه المعارضة المتنوعة الاشكال والأسباب ، بين عقدة الشعور بالنقص او تضارب المصالح واختلاف العقائد والأفكار ، فقد دخلت الامة الالمانية في واحدة من اسوء مراحل تاريخها الطويل . فعلى الرغم من فشل تلك المؤامرات والتي هزت هالدر من الاعماق وجعلته يبكي كما ذكر مساعده الفريق بوركهارد مولر هيلدبراند ، إلا انها نجحت في خلقت ثغرة وهوة كبيرة في القوات المسلحة الالمانية لن يمكن ردمها او معالجتها ابدا ، بل ستتوسع وتنمو كثيرا لتضم آلاف الضباط والقادة العسكريين والموظفين المدنين الالمان ومن مختلف الرتب والمستويات بما فيهم من عرف عنهم كفاءتهم وقدرتهم العالية في تحقيق الانتصارات العسكرية العملاقة .

تنبيه هام :
قد يعتقد الكثير من ابناء امتنا العربية والإسلامية بان البحث في تاريخنا افضل وافرض من البحث في تاريخ بقية الامم والشعوب ، لاسيما وان موضوع حلقتنا هذه قد مضى على احداثه قرابة القرن من الزمان وتوفى شخوصها وتغيرت نتائجها . إلا اننا نرى بان البحث في شؤون تلك الامم لا يأتي لمجرد اشباع الفضول المعرفي او اغناء معلوماتنا الشخصية كما قد يتصور البعض ، ولا لمجرد الانبهار بالأمة الالمانية وزعيمها الاسطورة ادولف هتلر ومحاولة انصافه وإنصاف امته وحزبه وعقيدته او الترويج لذلك ، ولا نكاية باليهود ولا حتى بالصهاينة . انما يأتي من اجل استثارة العقل العربي والمسلم وتحفيز تفكيره على النحو الصحيح وبما يساعد على بناء انسان محصن تحصين فكري وثقافي ذاتي قادر على تغيير ليس واقع امته المرير فحسب بل وواقع حياته الخاصة ايضا . من اجل ان يستطيع شباب امتنا اليوم الصمود بوجه الاحتلال الفكري الذي يمارسه اعدائهم عليهم هذه الايام ، نقول احتلال فكري لا غزو ثقافي فحسب ، فمرحلة الغزو قد انتهت وابتدأ اعدائنا بمرحلتهم الثانية وهي الاهم والأخطر من سابقتها مرحلة احتلال فكر وثقافة ووعي ووجدان الانسان العربي والمسلم .

فاهم الدروس المستخلصة من هذه الحلقة فهو الذي لا يقتصر على تقديم النصح والإرشادات للعاملين او المهتمين في شؤون التاريخ والسياسة والمخابرات فحسب ، بل لجميع افراد مجتمعاتنا ، في حياتهم الشخصية ، في تعاملهم مع باقي الافراد في العائلة والأسرة والمجتمع والأمة. فبالرغم من ان الجميع يتفقون على ضرورة عدم ترديد ما يسمعوه كالببغاوات ، فان زيارة واحدة لأي موضوع حواري او جدلي على الفيس بوك كافية لنتعرف الى اين وصل حالنا .. هذا ان كان ابناء امتنا يكترثون اصلا بأجراء حوار او حتى جدال ..!!!

فجل افراد مجتمعاتنا يغردون كالببغاوات بعلمهم او بدونه ، وما احداث ما بات يعرف بالربيع العربي سوى دليل بسيط على صحة ما نقول . فبعد ان تم اختراق الحكومات والمؤسسات والأجهزة الرسمية العربية وبعد ان نجح اعداء الامة في استمالة بعض الانظمة العربية الحاكمة ، فقد اثبتت احداث الربيع العربي على نجاح اعداء الامة هذه المرة في اختراق وعي وإدراك شعبنا العربي ابتداءا من اصغر فرد في المجتمع عمرا ومنصبا ووظيفة وحتى اكبرهم . وأسوء واخطر انواع الخروقات التي نجح خصومنا وأعدائنا هو الخرق الفكري بشقيه الثقافي والديني .

وبمعنى اوضح فبعد ان خضع جل افراد مجتمعنا وبدرجات كبيرة للتأثير الثقافي الاجنبي في الغناء والتمثيل والملابس وقصة الشعر وطريقة التحدث والسير والأكل ..الخ ، فقد باتوا خاضعين هذه المرة تحت التأثير الثقافي الاجنبي في طريقة تفكيرهم ونظرتهم وتقييمهم لقضاياهم وأمور حياتهم الشخصية والعامة ، حتى احتلت ادمغتهم وقلوبهم . اصبح اغلب افراد المجتمع ينظرون للأمور بسطحية ويقيمونها وفق حسابات مادية بحتة كالربح والخسارة ، او في احسن الاحوال كوجهة نظر يجب تقبلها لا تفهمها فحسب في زمن الديمقراطية المزعوم ، اصبحت الخيانة والعمالة والاستعانة بأعداء الدين والأمة وسفك الدماء وتخريب الديار والتبرج الفاضح والشذوذ الجنسي والاستهانة بتاريخ الامة ورموزها ومنجزاتها وجهة نظر يجب تقبلها بدعوى احترام حقوق الانسان وحرية الرأي والتعبير والحرية الشخصية .

اما بالنسبة الاختراق الديني ، فمادام الاول الاحتلال الثقافي قد تحقق فلابد ان يظهر للوجود ما يوازيه ويوازنه ، وهذا هو من بين الاراء السليمة التي جاء بها الصهيوني المتخفي "كارل ماركس" أي نظرية التناقض الجدلي او الديالكتيك . بمعنى اخر فمادام الكثيرين من ابناء امتنا قد تم اختراق ثقافاتهم واحتلال عقولهم ، فتحولوا عرب ومسلمين على الطراز الامريكي او بالأحرى مسوخ بسحنة عربية كما نرى في برامج قنوات "mpc" الفضائية ، فلابد ان يظهر من يوازي فسادهم واغترابهم الثقافي ويرد على انحلالهم الاخلاقي والديني بتطرف اخلاقي وديني لا يقل خطرا عن خطر المسوخ الاوائل ، فكلاهما صُنع على ايدي اعداء الامة ، وكلاهما يجسدان ثمرة الخرق الامني والسياسي والفكري .. كلاهما ثمرة احتلال اعدائنا لأدمغة وقلوب ابنائنا .

وهنا نود الانتباه حول عبارة "لا يقل خطر" وليس كما يدعي البعض بان التطرف الديني اشد خطرا من الانحلال الثقافي ، بل ان الاخير هو الاكثر خطرا والأشد فتكا بمجتمعاتنا من الاول . فالتطرف الديني وكل من يروج له منبوذ لدى جل فئات وشرائح المجتمع ، بل ومحارب من قبل اجهزة الامن الحكومية والقنوات الفضائيات وإدارات مواقع التواصل الاجتماعي وكل المؤسسات العالمية ، ذلك كون المتطرف لا يأبه للدماء المسالة ولا يكترث بضحاياه وان كان يبرر ذلك بتطبيق الشريعة ونصرة الدين ، إلا ان تأثير الانحلال الثقافي وتقبله في المجتمع اسرع وانتشاره اعم واشمل حيث يثير فضول الناس وسيثير نزواتهم ورغباتهم المكبوته ولا تحاربه اجهزة الامن الحكومية ولا تمنعه ادارات مواقع التواصل الاجتماعي على الانترنت بل تروج له هي والقنوات الفضائيات ولا تحظر نشاطه اي منظمة او مؤسسة دولية بل شرعت القوانين لحمايته في العديد من بلدان العالم ، كل ذلك يجري بحجة احترام حقوق الانسان الشخصية وحرية ابداء الرأي والتعبير . مثال ذلك فأي صحفي او كاتب او محلل او مقدم برامج تلفزيونية يستطيع انتقاد مطربة عربية تظهر شبه عارية في احدى برنامج "mpc" او في حفلة غنائية تبث مجانا امام جميع فئات وشرائح المجتمع انتقادا حرا جادا بناءا كما يراد ان يصور انتقاده لتنظيم القاعدة او لنظم وأحزاب القومية العربية وكما ينتقد الحزب النازي او الزعيم الالماني ادولف هتلر .. من يستطيع ، بل من يجرؤ على فعل ذلك ..؟!!

ان الذي نريد ان نوضحه هنا ، هو ضرورة خلق وعي وإدراك تاميّن لأبناء امتنا ، وحلقتنا هذه لا نريدها مجرد زيادة في المعلومات الشخصية قد يتفاخر بها صاحبها بجلسة او امسية هادئة مع صحبه او اهله . بل وكما ذكرنا انفا فالمهم والمطلوب هو استثارة عقولنا وتحفيز تفكيرنا على النحو الصحيح بما يساعدنا على خلق حصانة فكرية ذاتية قادرة على تغيير واقعنا الفرد وواقع امتنا ايضا . فلو تحلى جميع القادة والضباط الالمان بهذه الروحية وبهذه العقلية لما خسرت امتهم الحرب وقسمت بلادهم وتلاقف اعدائها خيراتها وابتكارات علمائها . لو تحلى هالدر وجوردلر وكناريس وبراوخيتش ولودفيغ بيك وشتاوفنبرج بهكذا مستوى من الوعي والإدراك والحكمة لجنبوا الانسانية كلها وليس امتهم فحسب من ويلات الحروب وانفراد الصهيونية والامبريالية بالعالم .. لأوقفوا تجار الاسلحة والحروب والأزمات .. قتلة وقراصنة الاقتصاد العالمي منذ عقود طويلة ..!!!

يتبع .. 
الحلقة الثالثة عن خيانة المهيب الركن فريدريك باولوس قائد معركة ستالينغراد .