02‏/01‏/2010

البعث في ميزان الشريعة / الجزء الثالث : شرعية اشتراكية البعث


 
البعث في ميزان الشريعة
الجزء الثالث:
شرعية اشتراكية البعث
 
بسم الله الرحمن الرحيم
( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) الحج38
صدق الله العظيم

 المقدمة :-
تحدثت في الجزء السابق عن شرعية الفكر القومي للبعث ، وبينت وبحجج وادلة شرعية بان ترابط العروبة بالإسلام حقيقة لأتقبل اللبس أو التأويل وهذا ما اقره البعث أيضا فالبعث يؤمن أيضا بترابط العروبة بالإسلام ؛ وبمعنى أوضح فان عروبية البعث لاتتنافى مع تعاليم ديننا الإسلامي الحنيف إنما هي تعبير صادق عن جوهر وفحوى الإسلام الحنيف . اما في هذا الجزء فبأذن الله تعالى سوف أتطرق إلى شرعية اشتراكية البعث التي كانت احدى المحاور التي تناولها بعض رجال الدين من المحسوبين على امتنا العربية أو الإسلامية بفتاوى التكفير. ولكن وقبل الحديث عن اشتراكية البعث لابد لنا إن نتعرف أولا عن معنى الاشتراكية وظهورها وسبب ذلك وان نلقي الضوء على المراحل التي قطعتها الاشتراكية وابرز مفكريها ونظرياتها ومدارسها ، وسنكتفي بمجرد الإشارة إلى أسماء أهم النظريات الاشتراكية حيث إن الحديث عنها يتطلب بحد ذاته مجلدات عديدة وحتى لانخرج عن موضوع بحثنا هذا .



ثالثا: مفهوم الاشتراكية :-
الاشتراكية هي نظام اجتماعي يحمل الدولة مسؤولية توفير احتياجات الإنسان الأساسية لأجل تحريره من عوائق الإبداع والعمل الاجتماعي المنتج وإزالة الشرور التي ينتجها الحرمان والفوارق الطبقية . لذلك فإنها نظام أنساني وأخلاقي في نفس الوقت يعيد للإنسان إنسانيته ويحفظ كرامته ويوفر له المناخ الملائم للتحرر من الفساد وكل الإمراض التي تتولد تلقائيا من الفقر مباشرة أو بصورة غير مباشرة.1


أ - ظهور الاشتراكية:-
كان المفكر الإغريقي أفلاطون ( 428 – 348 قبل الميلاد ) أول من تحدث عن الاشتراكية كنظرية ، حتى اعتبره البعض بأنه أول من وضع نواة النظم الاشتراكية . إلا إن أفكار أفلاطون كانت بعيدة عن الواقع الذي عاصره ، كما إن المجتمعات لم تكن مهيئة بعد لاستيعاب مثل هذه الأفكار ، خاصة وان التعاملات الاقتصادية كانت بسيطة وغير معقدة وموارد الأرض والأمم والشعوب كانت وفيرة نسبيا . فلهذا لم تحظى الأفكار الاشتراكية إلا في القرن الثامن عشر الميلادي. خاصة وقد برزت عيوب وأخطاء النظام الرأسمالي.
 
ومن الجدير بالذكر هنا  بان اعتبار أفلاطون على انه أول من تحدث عن الاشتراكية ربما قد ينطوي على خطئ كبير ، فمن خلال مراجعة الآثار السومرية والاكدية والأشورية والبابلية يتبين لنا إن حضارة وادي الرافدين قد عرفت الاشتراكية قبل أفلاطون بعشرات القرون . فالمطلع على قوانين الحضارة العراقية سيجد نفسه إمام العديد من النصوص القانونية التي توحي على إن النظام السياسي في وادي الرافدين كان نظاما اشتراكيا . وان عدم عثور علماء الآثار والتاريخ على نظرية اشتراكية - أو على أراء فكرية اشتراكية - في اثأر وادي الرافدين لايعني أبدا عدم وجدوها ، ذلك لان تاريخ وادي الرافدين الموغل في القدم وكثرة الحروب والغزوات التي تعرض لها فضلا عن ارتفاع نسبة المياه الجوفية والأملاح في أراضيه قد تكون السبب وراء عدم عثور العلماء على مدونات الاشتراكية في وادي الرافدين . كما إن الأراضي العراقية ولحد الان لم يجري لها مسحا اثأرا تاما ، فضلا عن إن المناطق الأثرية التي تم اكتشافها في العراق لم يتم إخراج كامل مجوداتها أضف إلى ذلك إن ما تمت ترجمته من النصوص الأثرية المكتشفة لحضارة وادي الرافدين لا تشكل سوى نسبة بسيطة من النصوص الاثارية التي تم اكتشافها .2


ب - النظريات الاشتراكية الحديثة :-
كان للتطور الصناعي الذي أحرزته دول أوربا الغربية خلال القرن الثامن عشر اثأرا عميقة على واقعها الاقتصادي والاجتماعي ، فقد خلقت الثورة الصناعية العوامل المادية والمعنوية المهيئة لقلب الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول . فالثورة الصناعية قد أثرت في وسائل الإنتاج مما أدى إلى تمزيق أواصر الإنتاج السابقة فبرزت الحياة الاقتصادية والاجتماعية لأوربا الغربية في صورة جديدة تختلف اختلافا كبيرا عن صورة الحياة في القرون السابقة .
 
لقد برزت العديد من المظاهر السلبية في الحياة الجديدة لأوربا الغربية والتي تمثلت بانعدام المساواة والذي تزايد بشكل كبير جدا بين من يملكون ومن لايملكون . وفي خضم هذه الظروف الاقتصادية والاجتماعية انطلقت أراء فكرية جديدة تدور حول الاشتراكية ، من اجل توفير وإقامة العدالة الاجتماعية وتحقيق المساواة بين إفراد المجتمع وهذا هو المحور الاول والأساسي لنظريات الاشتراكية عموما . ومن بين النظريات التي تمحورت حول الاشتراكية هي نظرية الاشتراكية المسيحية ونظرية الاشتراكية المثالية ونظرية الاشتراكية الماركسية – نسبة إلى اليهودي كارل ماركس وهو مؤسس الفكر الاشتراكي الشيوعي – والماركسية التطورية والماركسية النقابية الثورية والمدرسة اللينيية والمدرسة الستالينية والمدرسة التروتسكية والتي تمحورت حول نظرية تروتسكي عن الثورة الدائمة والشيوعية الصينية . والاشتراكية الماركسية الأوربية البرلمانية. ثم النظريات الاشتراكية غير الماركسية كالفكر الاشتراكي الفابي والاشتراكية النازية والاشتراكية الناصرية والاشتراكية البعثية . ولهذا فان الاشتراكية قد اختلفت عند هذا المفكر وذاك في هذه النظرية أو تلك المدرسة إلى الدرجة التي وصلت بها إلى حد التناقض والتقاطع ، كما هو الحال بين الاشتراكية الشيوعية والاشتراكية النازية ، وبين الاشتراكية الماركسية والاشتراكية البعثية .
 

ج – الاشتراكية والإسلام  :-
اعتبر البعض - واخص هنا بالذكر بعض رجال الدين المحسوبين على امتنا العربية والإسلامية - الاشتراكية بمجملها أفكار ونظريات وأنظمة حكم كافرة ملحدة لأتمت للإسلام بصلة . وحقيقة قد يكون هذا الوصف صحيح بحق العديد من نظريات ومدارس وأحزاب وأنظمة الحكم الاشتراكية ، إلا إن هذا الوصف لايمكن بأي حال من الأحوال إن يشمل اشتراكية البعث . فالاشتراكية في الأصل والجوهر هي نظريات تختص بالواقع الاقتصادي وتتمحور حول إلية الإنتاج وإدارة الإعمال لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية لإفراد المجتمع. اي أنها نظرية اقتصادية لها انعكاساتها على الواقع الاجتماعي . وبالتالي فان الاشتراكية وكما سبق واوضحت تختلف عند هذا المفكر أو ذاك الحزب ، فتأخذ شكل وقالب ذلك المفكر والحزب . وبمعنى أوضح فالاشتراكية الماركسية مثلا تأخذ شكل وقالب مفكرها كارل ماركس ، بينما الاشتراكية البعثية تأخذ شكل وقالب مؤسس البعث احمد ميشيل عفلق رحمه الله واسكنه فسيح جناته . وبهذا المعنى فان الاشتراكية كالماء يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه ، فالاشتراكية عند البعث شانها شان سبب تأسيس الحزب وشانها شان قومية الحزب تستند إلى الإسلام الحنيف ولا تتقاطع معه مطلقا . ولذا وقبل الاطلاع على اشتراكية البعث لابد لنا إن نتعرف عن حقيقة الاقتصاد الإسلامي . وهل كان الاقتصاد الإسلامي رأسمالي أم اشتراكي أو على اقل تقدير أيهما الأقرب للاقتصاد الإسلامي ، الرأسمالية أم الاشتراكية ؟!
 

1 - الاقتصاد الإسلامي :-
الباحث عن الاقتصاد الإسلامي يجد نفسه إمام كم هائل من التعاريف والدراسات والبحوث ، والتي من الصعب الإلمام بها لان علماء المسلمين من المتخصصين في الاقتصاد لم يضعوا لنا لحد الان منهجا واحدا متفقا عليه . ولكن وبالوقت نفسه ورغم هذا التنوع نستطيع الاستدلال على ماتم الاتفاق عليه بين علماء الاقتصاد الإسلامي .
 
 
2 - فتعريف الاقتصاد الإسلامي :-
هو مجموعة المبادئ والأصول الاقتصادية التي تحكم النشاط الاقتصادي للدولة الإسلامية التي وردت في نصوص القران والسنة النبوية، والتي يمكن تطبيقها بما يتلاءم مع ظروف الزمان والمكان. ويعالج الاقتصاد الإسلامي مشاكل المجتمع الاقتصادية وفق المنظور الإسلامي للحياة.و من هذا التعريف يتضح أن الأصول و مبادئ الاقتصاد الإسلامية التي وردت في القران والسنة وهي أصول لا تقبل التعديل لأنها صالحة لكل زمان ومكان بصرف النظر عن تغير الظروف مثل الزكاة . أي إن الاقتصاد الإسلامي ، يعتمد على القاعدة الفقهية التي تقول : إن الأصل في المعاملات الإباحة ، انطلاقا من  القاعدة الشرعية­ أن الشريعة مبنية على التيسير ورفع الحرج فكل ما لم يرد نص في تحريمه  فهو مباح ، يقول تعالى ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ في ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) الحج 78. 3
 
فالمال مال الله ونحن مستخلفون فيه، وبذلك فنحن مسئولون عن هذا المال ، كسباً وإنفاقاً ، أمام الله في الآخرة وأمام الناس في الدنيا . فلا يجوز أن نكتسب المال من معصية أو ننفقه في حرام، ولا فيما يضر الناس. ودور المال هو أداة لقياس القيمة ووسيلة للتبادل التجاري، وليس سلعة من السلع . فلا يجوز بيعه وشراؤه ( ربا الفضل ) ولا تأجيره ( ربا النسيئة ).4
 
 
3 - القواعد الاقتصادية التي تحكم الاقتصاد الإسلامي :-
المشاركة في المخاطر: وهي أساس الاقتصاد الإسلامي وعماده، وهي الصفة المميزة له عن غيره من النظم. فالمشاركة في الربح والخسارة، هي قاعدة توزيع الثروة بين رأس المال والعمل، وهي الأساس الذي يحقق العدالة في التوزيع.
موارد الدولة : لا ينفرد هذا النظام عن غيره في هذا الباب إلا في وجود الزكاة كمورد ينفرد به الاقتصاد الإسلامي. وهي أشبه شيء بالضرائب. لكنها ضرائب على المدخرات، لتشجع على الإنفاق بدلا من الكنز. مما يدفع عجلة الاقتصاد والإنتاج للدوران.
الملكية الخاصة : يحمي النظام الإسلامي الملكية الخاصة، فمن حق الأفراد تملك الأرض والعقار ووسائل الإنتاج المختلفة مهما كان نوعها وحجمها. بشرط أن لا يؤدي هذا التملك إلى الإضرار بمصالح عامة الناس، وأن لا يكون في الأمر احتكاراً لسلعة يحتاجها العامة. وهو بذلك يخالف النظام الشيوعي الذي يعتبر أن كل شيء مملوك للشعب على المشاع.
الملكية العامة : تظل المرافق المهمة لحياة الناس في ملكية الدولة أو تحت إشرافها وسيطرتها من أجل توفير الحاجات الأساسية لحياة الناس ومصالح المجتمع. وهو يخالف في ذلك النظام الرأسمالي الذي يبيح تملك كل شيء وأي شيء.
نظام المواريث في الإسلام : يعمل نظام المواريث على تفتيت الثروات وعدم تكدسها. حيث تقسم الثروات بوفاة صاحبها على ورثته حسب الأنصبة المذكورة في الشريعة.
الصدقات والأوقاف : وتعد الصدقات والأوقاف من خصائص الاقتصاد الإسلامي التي تعمل على تحقيق التكافل الاجتماعي، وتغطية حاجات الفقراء في ظل هذا النظام.


4 - المحظورات في النظام الاقتصادي الإسلامي :-
- تحريم الربا : الربا محرم في الإسلام؛ بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة ، قال تعالى ( َأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) . البقرة 275.
- تحريم الاحتكار: وهو محرم من السنة والأحاديث النبوية الشريفة. لما فيه من الإضرار بمصالح العامة والاستغلال لحاجاتهم. وما يتسبب فيه من قهر للمحتاج، وربح فاحش للمحتكر.
- تحريم الاتجار في القروض : القروض هي إحدى صور المال. فلا يجوز الاتجار به، إذ أن المال لا يباع ولا يشترى.
- تحريم بيع ما لا يمتلكه الفرد : وذلك لمنع المخاطرة أو المقامرة.
- تحريم بيع الغرر: وبيع الغرر هو بيع غير المعلوم، مثل بيع السمك في الماء، أو أنواع المقامرة التي نراها منتشرة في مسابقات الفضائيات وشركات الهواتف، اتصل على رقم كذا لتربح أو أرسل رسالة لتربح. وهي كلها من صور المقامرة التي حرمها الله عز وجل.
- تحريم الاتجار في المحرمات : فلا يجوز التربح من ماحرّم الله عز وجل، من التجارة في الخمور أو المخدرات أو الدعارة أو المواد الإباحية المختلفة، وغيرها من المحرمات، لأنها لا تعتبر مالاً متقوماً في الإسلام.
- تحريم بيع العينة : و هو شكل من أشكال التحايل على الربا، حيث يقوم الفرد بشراء شيء ما من شخص على أن يتم السداد بعد مدة، ثم يقوم ببيعها مرة أخرى إلى صاحبها بسعر أقل من الذي اشتراه به فيقبض الثمن، ثم يعود بعد المدة المتفق عليها و يقوم بدفع المبلغ الذي يكون أكثر من المبلغ الذي قبضه، فيكون هذا ظاهره بيع و باطنه ربا، فحرمه الإسلام جمهوراً ، قال رَسُولَنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ‏‏ ( إذا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَاَخَذْتُمْ اَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا اِلَى دِينِكُمْ ) . 5


5 - سمات الاقتصاد الإسلامي ؛ بعد إن تعرفنا عن معنى الاقتصاد الإسلامي وعن القواعد الاقتصادية التي تحكمه وعن المحظورات فيه نستطيع إن نجمل صفات وسمات الاقتصاد الإسلامي على الوجه الأتي :-
- انه اقتصاد يميز بين الغايات والوسائل بوضوح تام؛ فالإنتاج والفعالية الاقتصادية إجمالاً موجهة للاستهلاك، لكن الاستهلاك – وهو مآل النشاط الاقتصادي - ليس أكثر من وسيلة لإدامة الوجود الإنساني الفاعل ، أما غايات هذا الوجود فهي أكبر من مجرد الاستهلاك أو مجرد النمو الاقتصادي . ان غايات الوجود الإنساني تحددها الأُسس الاعتقاد ية التي يؤمن بها الإنسان المكَّرم ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ) الإسراء 70 ، الإنسان الخليفة (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَة) البقرة 30، الإنسان الذي يعبّد نفسه لخالقه ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات 56، وهذه غايات أرفع وأرحب من مائدة طعامه أو خزانة ملابسه بكل تأكيد.
- انه اقتصاد مختلط تتعايش فيه أشكال الملكية الخاصة والعامة معاً؛ توفر الأولى وسائل إشباع الحاجات الخاصة ، كما تشحذ الحافز الفردي للنشاط الاقتصادي ، وتوفر الملكية العامة ، صور الاستخلاف الاجتماعي، وسائل إشباع الحاجات العامة والشروط المادية اللازمة لإنتاج العرض العام.
- انه اقتصاد يؤكد الوظيفة الاجتماعية للملكية الخاصة؛ فلا اكتناز للنقد ولا احتجاز للأرض ولا احتكار للعروض ولا استئثار بالموارد ولا ضرر ولا ضرار... يتأكد كل ذلك من خلال جملة أحكام موضوعية ملزمة.
- انه اقتصاد تتعايش فيه أُسس حقوقية مختلفة ترعى اعتباري العمارة والعدالة؛ فالعمل والملكية والحاجة، كلها أُسس معتمدة في نظام التوزيع الإسلامي، وبترتيب غائي يحقق مقاصده، فالعمل الاقتصادي يعتمد أساسا حقوقيا يحكم مرحلة التوزيع الابتدائي، والعمل والملكية المكتسبة بطريق مشروع والمدارة بطريق مشروع يحكمان مرحلة التوزيع الوظيفي، بينما تحكم الحاجة مرحلة إعادة التوزيع.
- انه اقتصاد يحقق تخصيصا كفوءا للموارد بسبب عدالة نظامه ألتوزيعي؛ ووظيفية ووسطية نمطه الاستهلاكي، زيادة على دور الحكومة في تأمين الرفاهية الاجتماعية ومسؤوليتها عن العرض العام.
-  انه اقتصاد تقترن فيه الكفاءة الاقتصادية بالعدل ألتوزيعي لأنه يحشد جميع موارد المجتمع للفعالية الاقتصادية؛ ولأنه يعتمد نظاماً توزيعياً يؤكد الوظيفة الاجتماعية للموارد، ويؤكد اقتران عائدها بالعمل أو المخاطرة، كما أنه يؤكد مبدئية إعادة التوزيع على نحو موسع وحازم من خلال أوسع عملية إعادة توزيع عرفها الاجتماع الإنساني.
- انه اقتصاد يشترك فيه التوجيه الأخلاقي مع الضوابط الموضوعية في صياغة السلوك الاقتصادي؛ فالفرد تلزمه الدولة موضوعياً بالسلوك المرضي، لكنه مندوب لذلك ومأجور عليه من خلال منظمة القيم التي يؤمن بها.
- انه اقتصاد ينجم عنه تركيب اجتماعي متجانس، بسبب ضوابط الإسلام التي تحكم توزيع الثروة؛ وتحكم توزيع القوة السياسية في المجتمع المسلم، وفي ظل المعيارية الجديدة للمكانة الاجتماعية.
- إن الاقتصاد الإسلامي يرتكز على مذهب اقتصادي مبرأ من النسبية والانحياز الطبقي ؛ لأنه ببساطه من لدن الله تعالى: الحَكَم العدْل ذي العلم المحيط، ولأنه كذلك فهو جدير بان يكون صالحا لكل زمان ومكان. 6


6 - العدالة الاجتماعية في الإسلام :-
من خلال حديثنا عن الاقتصاد الإسلامي يتبين لنا وبما لايقبل الشك أو التأويل إن الاقتصاد الإسلامي يتمحور حول محورين هامين ؛
أولهما : إن تكون القوانين والتشريعات الاقتصادية موافقة لما جاء به ديننا الإسلامي الحنيف .
وثانيهما : إن يكون الاقتصاد في خدمة الأمة بصفتها الجماعية من غير إلحاق الأذى بحرية الفرد التي كفلها الإسلام .

ومادام الاقتصاد في خدمة الأمة فهو يهدف إلى قيام العدالة الاجتماعية بين إفراد الأمة . لان الأمة بدون هذه العدالة لن تكون قادرة على القيام برسالتها الخالدة الخاتمة بل لن تقوى على مواجهة ومجابهة أعداءها . فإذا اختفت العدالة الاجتماعية بين إفراد الأمة فقد دخل المجتمع المسلم في حالة تفرق وأعداء ، واختفى بذلك واحد من أهم شروط قوة الأمة إلا وهو الانسجام والتواد والمحبة والتعاون بين إفرادها .

وهكذا نخلص إلى إن ديننا الإسلامي الحنيف قد حث وأمر على ضرورة خلق العدالة الاجتماعية بين إفراد الأمة . والعدالة الاجتماعية تتحقق في الإسلام من خلال مبدأ التكافل الاجتماعي عن طريق الزكاة والصدقة  . قال تعالى ( وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ) البينة 5 . وقوله تعالى ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ) التوبة 103.
 
لا جاء في حديث رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن الصدقة ؛ ( إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة, وهو يحتسبها كانت له صدقة ) 7 , وقوله صلى الله عليه وسلم ( كل ما صنعت إلى أهلك فهو صدقة عليهم ) 8. وقوله صلى الله عليه وسلم ( دينار أنفقته في سبيل الله, ودينار أنفقته في رقبة, ودينار تصدقت به على المسكين, ودينار أنفقته على أهلك, أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك ) 9 ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( كل سُلامي من الناس عليه صدقة, كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة, وتعين الرجل على دابته فيحمل عليها, أو ترفع له متاعه صدقة, والكلمة الطيبة صدقة, وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة, ودل الطريق صدقة, وتميط الأذى عن الطريق صدقة ) 10 .


7 - العدالة الاجتماعية في الاشتراكية :-
وبذلك فان الاشتراكية بمفهومها العام تطابق ما جاء به ديننا الإسلامي الحنيف من حيث كونها تهدف إلى خلق العدالة الاجتماعية . اما مدى تطابق القوانين والتشريعات الاقتصادية في الاشتراكية مع القوانين والتشريعات الاقتصادية في الإسلام فان ذلك محكوم بحسب الاشتراكية نفسها . اي وبمعنى أوضح فان كانت الاشتراكية الماركسية لإتراعي في قوانينها وتشريعاتها ما جاءت به التشريعات والقوانين الاقتصادية الإسلامية فان الاشتراكية عند البعث لم تماثل الاشتراكية الماركسية في هذا الموقف ، إنما على العكس فالاشتراكية عند البعث مؤمنة غير ملحدة كون حزب البعث نفسه حزب مؤمن بالله عزوجل وبالإسلام الحنيف .

وبالتالي فإننا حينما نتحدث عن حقيقة علاقة الإسلام بالاشتراكية ومدى ترابطهما ، وهل كان الاقتصاد الإسلامي - عند بداية ظهور الإسلام - رأسمالي أم كان اشتراكي ؟! أو على اقل تقدير أيهما الأقرب للاقتصاد الإسلامي ، الرأسمالية أم الاشتراكية ؟! نستطيع القول إن الاقتصاد الإسلامي هو اشتراكي أكثر مما هو رأسمالي ، أو بالأحرى فان الاقتصاد الإسلامي ابعد ما يكون عن الرأسمالية كون الرأسمالية لاتهدف إلى العدالة الاجتماعية وكونها أيضا لا تضطلع بأمور الأمة أو الجماعة إنما بالفرد بصفته الفردية الأنانية .

ومن الجدير بالذكر هنا إن نبين مدى علاقة القيم والمبادئ والتعاليم والعبادات التي أمر بها ديننا الإسلامي الحنيف مع البعد الجماعي .


8 - البعد الجماعي في قيم ومبادئ وعبادات الإسلام :-
فإذا ما تأملنا القران الكريم وسيرة رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، فسنجد الكثير من الآيات والأحاديث والقصص والعبر تؤكد وتحث وتأمر المسلمين على ضرورة التعاون والتكاتف وعدم التفرق والاختلاف فيما بينهم ، فالبعد الجماعي في هذه الضرورات واضح لا لبس فيه .

قال تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ) سورة الحجرات  آية 10 . وقوله تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )  آل عمران 103 . وقوله تعالى ( وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) البقرة 194 . وقوله تعالى ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ) الأنفال 60 . وقوله تعالى ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَّعُيُونٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ . وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ  )  الحجر 45-47 . وقوله تعالى ( وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ . إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) العصر 1-3 . وقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) المائدة 2 .  

كما قال رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم في حث المسلمين عن الاجتماع والتعاون  ( إن الله يرضى لكم ثلاثا، أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ) 11 ، وقال صلى الله عليه وسلم  (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ) 12 ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ) 13 ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات ، إلا مات ميتة جاهلية ) 14، وقوله صلى الله عليه وسلم ( يد الله مع الجماعة ) 15 .
 
ومن خلال تبصرنا وتدبرنا بما جاء به ديننا الإسلامي الحنيف من تعاليم وعبادات ، نجد إن هنالك بعد جماعي أيضا ، فعلى سبيل المثال نجد إن صلاة الجماعة والتي طالما حثنا عليها رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وأمرنا بها الله عزوجل تنطوي من بين ما تنطوي على بعد ذات صفة جماعية ، اي وبمعنى أوضح فان صلاة الجماعة تشير إلى إن الخير في الجماعة بمعنى الأكثرية وليس في الخروج والانفراد عن الجماعة اي بمعنى الأقلية . حتى جعل الله عزوجل اجر صلاة الجماعة إضعاف مضاعفة اجر صلاة المسلم لوحده ، بل إن الله عزوجل اشترط على كل مسلم إن يصلي صلاة الظهر جماعة في المسجد يوم الجمعة وان لا ينقطع لثلاث جمع متتالية عنها16 .اما حج بيت الله الحرام فهو الأخر ينطوي على بعد جماعي واضح يجمع فيه ملايين المسلمين من شتى بقاع الأرض ومن مختلف الأجناس والألوان والأعمار في بقعة واحدة محددة ومعلومة في موسم الحج خلال أيام عيد الأضحى المبارك وبشكل اقل في العمرة . كما انطوى مبدأ الشورى الذي اقره الإسلام على بعد جماعي هو الأخر فالشورى وهذه من الأمور البديهية إن تكون في الجماعة وليس في فرد واحد . وفي رمضان نجد البعد الجماعي واضح وجليا ، ففي هذا الشهر الكريم يصومه كافة المسلمين ففي وقت السحور يبدأ المسلمين صيامهم وفي وقت الفطور يفطر المسلمين كافة خاصة في المناطق المتقاربة .اما الزكاة والصدقة فتشير وبما لايقبل اللبس أو التأويل على إن الإسلام يحث المسلمين ويؤكد عليهم بضرورة التماسك الاقتصادي والاجتماعي فيعين أغنياء المسلمين فقراءهم .

نخلص من هذا إلى إن الإسلام أمر وحث وأكد على قيم ومبادئ وعبادات ذات بعد جماعي من غير إن يسلب الفرد حقه المشروع في الحياة وفي مزاولة إعمالها . بل إن البعد الجماعي الذي تضمنته قيم ومبادئ وعبادات الإسلام لاتصب في مصلحة الجماعة فحسب أو الأمة فحسب بل وتصب أولا في مصلحة الفرد . فصلاة الجماعة يؤجر المسلم عليها إضعافا والحج يبرئ المسلم من ذنوبه وكأنه ولد من جديد والشورى يحمي الفرد من ظلمه لنفسه وللآخرين والزكاة والصدقة فضلا عن أجرهما فهما لا يمنحان المال والعون للفقير فحسب بل ويمنحان الغني مودة واحترام الأمة برمتها وليس الفقراء فحسب.

وهنا رب سائل يسال فيقول : وما علاقة الجماعة بالاشتراكية ؟! وللإجابة على هذا التسأول المهم لابد لنا إن نبين البعد الجماعي في الاشتراكية .


9 - البعد الجماعة في الاشتراكية :-
إن البعد الجماعي في قيم ومبادئ وتعاليم وعبادات الإسلام الحنيف هو بعد واضح لا لبس فيه كما سبق ووضحت ذلك ، وهذا البعد الجماعي ينطوي هو الأخر على بعد أخر وهو بعد أخلاقي عظيم . فالجماعة ضد الفردية - ولا اقصد هنا ضد الفرد إنما اقصد ضد التفرد والتفرق والأنانية - فالبعد الجماعي والفردية خطان متوازيان لايلتقيان بل إنهما على طرفي نقيض . وإذا ما درسنا الاشتراكية بكافة أوجهها ونظرياتها فسنجد أنها هي الأخرى ذات بعد جماعي . فالاشتراكية لايمكن إن تتحقق إلا في الجماعة وبالجماعة ، وليس بالفرد والفردية . فمن بين معاني الاشتراكية إن يشترك المرء مع الآخرين في أمر ما .

ومادامت هكذا فان الاشتراكية تقارب وتشابه الإسلام من حيث أنها هي الأخرى ذات بعد أخلاقي جماعي . اي إن وبهذا المعنى فان الإسلام الحنيف والاشتراكية ينطويان على بعد ذات صفة جماعية . ومن الجدير بالذكر هنا ، هو إنني لا اعني بكلمة الاشتراكية اي نظرية سياسية محددة إنما اعني الاشتراكية بصفة عامة شاملة وباعتبارها اشتراك المرء مع غيره في أمر ما .

وبالتالي فان الاشتراكية قد تصل إلى حالة التطابق مع الاقتصاد الإسلامي اذا استندت على ما جاء به ديننا الإسلامي الحنيف . فالإسلام والاشتراكية وكما تبين لنا كلاهما ينطويان على بعد أخلاقي جماعي وعلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين إفراد الأمة .


د- الاشتراكية عند البعث :-
الاشتراكية البعثية هي نظام اجتماعي يوفر بقواعده البيئة المناسبة لتفرغ الإنسان للنشاطات الروحية بلا قلق أو ضغط الحاجة المادية أو تهديدها للإنسان يوميا بعد توفير احتياجات الإنسان ، وهو نظام يفتح المجال إمام النشاط الفردي اقتصاديا لأنه عامل إبداع وحافز إنتاج ، ويكمل دور الدولة في تامين السلع والخدمات لإفراد المجتمع الإنساني ، وبقدرة الاشتراكية على تحرير الإنسان من الخوف من غده يتفرغ للعمل المنتج وللقضايا الروحية والثقافية ويلج عالم تفجير طاقاته الإنسانية الكامنة ممهدا لرقي الإنسان خلقيا وماديا . 17


هـ - اختلاف اشتراكية البعث عن الاشتراكية الماركسية :-
وبالتالي فان الاشتراكية عند البعث مفهوم اجتماعي لتحقيق العدالة الاجتماعية ، اي وبمعنى أوضح فاشتراكية البعث وكما سبق وذكرت اشتراكية مؤمنة تستند إلى مجمل فكر البعث والذي هو الأخر يستند إلى ديننا الإسلامي الحنيف . فاشتراكية البعث تختلف عن الاشتراكية الماركسية اللينينية اختلافا جذريا ، حيث إن هناك ثلاثة اختلافات جوهرية بينهما ، وهي :-


1- الاختلاف الفلسفي – الديني :-
فالبعث يرفض الربط ألقسري المصطنع وغير المبرر بين النظرة الفلسفية للماركسية – اللينينية ؛ وهي المادية الجدلية التي أنكرت وجود الله سبحانه وتعالى وعدت الدين أفيون الشعوب .

بينما يرى البعث ، إن الاشتراكية مفهوم اجتماعي يعالج الفقر والفوارق الطبقية وأثارهما وليس له صلة بالفلسفة الجدلية ولا بأي مفهوم فلسفي أخر يتناول الكون والطبيعة .

لقد تناولت المادية التاريخية ، وهي الفلسفة الاجتماعية للماركسية – اللينينية ، الاشتراكية من زاوية اجتماعية تاريخية ، وهذا صحيح ، لكنها حينما اعتبرت إن الماركسية - اللينينية هي فلسفة شمولية تفسر المجتمع والطبيعة بنفس الوقت أفسدت على نفسها البيئة الاجتماعية للناس الميالين بالطبع للإيمان بالله سبحانه وتعالى  . لذلك فان البعث يرفض المادية الجدلية ويعدها موقفا فلسفيا أقحم على نحو مصطنع على الاشتراكية والتي تقول بان أصل الشرور الاجتماعية هو الحرمان المادي الناجم عن فوارق الطبقات ، وهو موقف صحيح ، ويرى البعث إن الإيمان بالله عزوجل هو الجزء المقوم في الوعي الاجتماعي السليم والذي يدعم الاشتراكية من زاوية إن العدالة الاجتماعية هي مطلب ديني ، لان الله سبحانه وتعالى خلق البشر ولم يخلق الفوارق الطبقية بينهم وساوى بينهم في القيمة الإنسانية .


2- الاختلاف حول الملكية :-
اشتراكية البعث لا تحرم الملكية على وجه الإطلاق ؛ وإنما تحرم الملكية الاستغلالية وتسمح بالمكية الفردية على إن تخضع لشرط حاسم وهو أنها يجب إن تقع ضمن سيادة الملكية العامة لوسائل الإنتاج الكبرى .

وبهذا المعنى فان الاشتراكية البعثية توفق ما بين الملكية العامة المسئولة عن تامين عدالة المجتمع وإنتاجه وخدماته ، وبين الملكية الفردية التي تلبي الحاجات الطبيعية للإنسان في التملك بصفته احد أهم حوافز العمل والإنتاج والإبداع لدى الإنسان . إن منع الملكية الفردية يفضي إلى خمول الإنسان وتدهور ملكته الإبداعية لان الحافز الشخصي للعمل يعطل أو يضعف وهذا هو احد أهم أسباب فشل الشيوعية وتدهورها.


3- الاختلاف حول القومية :-
البعث رفض الأممية الشيوعية لأنها كأي أممية أخرى تقفز من فوق القومية مع إن الأممية ، سواء كانت دينية أو شيوعية ، يجب إن تمر أولا بالرابطة القومية ، وتعترف بها بصفتها وضعا إنسانيا طبيعيا لا يمكن القفز من فوقه. إذ كيف يمكن إن تقام الأممية اذا كانت الرابطة القومية غير مبنية أو مقامة ؟ يجب أولا إكمال الوحدة القومية قبل التفكير بوحدة أوسع ، تماما كالبناء العالي فانك لا يمكنك من الوصول إلى أعلاه إلا اذا بنيت أدناه . 18


و – الاشتراكية في كتابات مؤسس حزب البعث احمد ميشيل عفلق رحمه الله واسكنه فسيح جناته:-


1- مفهوم الاشتراكية عند مؤسس البعث رحمه الله :- ففي عام 1945 ، يقول مؤسس البعث رحمه الله عن معنى الاشتراكية :-
((...والاشتراكية بصورة بسيطة كما يفهم من لفظها هي إن يشترك جميع المواطنين في موارد بلادهم بقصد إن يحسنوا حياتهم وبالتالي حياة أمتهم لان الإنسان الفرد لا يقبل إن يجعل نفسه غاية في الحياة حتى أن أدنى المخلوقات البشرية في الأخلاق والتفكير نرى فيها هذا الميل وهذه الحاجة إلى إن تجعل لحياتها غاية أبعد من مصلحتها الشخصية، فبالأحرى الإنسان الراقي الذي لا يستهدف سوى نجاح أمته وازدهارها.

والاشتراكية يمكن إن تفهم أيضا بأنها نظرية اقتصادية حديثة ظهرت في قسم من بلاد العالم في هذا العصر، ولها تعاريف وأصول وأنظمة معروفة، غير أنها كلها ترجع إلى هذا التعريف البسيط الذي قلنا اي اشتراك المواطنين في موارد البلاد التي هم منها.

لكن علينا إن نعرف بان للاشتراكية معنى آخر غير معنى نظرية معينة ظهرت في الغرب. لها معنى طبيعي مستساغ من النفس البشرية والعقل والضمير، وهي بهذا المعنى لا تخص امة بعينها أو تخص عصرا أو زمانا بذاته. هي شيء أعم واثبت من النظرية.))19 .

وفي عام 1950، يضيف قائلا :-
((...فإذا فهمنا الاشتراكية بهذا المعنى وهي إننا نريد إن نرجع إلى الحالة الطبيعية المشروعة وان ينال كل ذي حق حقه حسب جدارته وكفاءته ويسمح للشعب بأن يظهر مواهبه ويستفيد منها، عندها يمكن إن يرتقي الشعب أي المجموع، فالطبقة الشعبية تساوي الأمة تماما لأنها الأكثرية الساحقة والعنصر المنتج حقا.

الاشتراكية إذن ليست شيئا غريبا صعبا أتانا من بلاد نائية، وليست نظريات معقدة. أنها الشيء البسيط المشروع الذي يطلبه كل عقل سليم وضمير حي، ولا يمكن لأي فرد أو فئة أن يكون مخلصا لوطنه، يشعر شعورا صادقا نحو أمته ويأبى في الوقت نفسه على الشعب هذا الحق، لان القومية، التي هي الغيرة على مصلحة الأمة، والاشتراكية تكادان تكونان شيئا واحدا.

فتحقيق الاشتراكية في حياتنا شرط أساسي لبقاء امتنا ولإمكان تقدمها، اذا لم تعمم الاشتراكية ولم نسع إلى تحقيق العدل الاجتماعي لجميع الإفراد، ولم ينقلب الشعب العربي إلى شعب منتج إلى أقصى حدود الطاقة، اذا لم يتحقق كل هذا يكون كل كلام عن حرية العرب واستقلالهم ضربا من اللغو ونوعا من التضليل.

إن مصلحة القومية وبقاء الأمة ومجاراتها للأمم الراقية وصمودها في تيار التنافس بين الدول متوقف على تحقيق الاشتراكية، أي السماح لكل عربي دون تمييز أو تفريق بأن يصبح حقيقة ملموسة منتجة ولا وهما من الأوهام.))20.

ويقول رحمه الله:-
((...فالاشتراكية مهما تنوعت صفاتها واختلفت فيها الاجتهادات حدود واحدة واضحة تفرقها عن النظام الرأسمالي. إن الاشتراكية تعني دوما تأميم المرافق العامة والصناعات الحيوية الكبرى. كما تعني التوزيع العادل للأراضي وإشراف الدولة أو وضع يدها على التجارتين الخارجية والداخلية.)) 21

ويقول رحمه الله :-
((...والآن اذا عرّفنا الاشتراكية تعريفاً واقعياً سليماً، وقلنا أنها ليست غاية في ذاتها بل وسيلة ضرورية لتضمن للمجتمع أعلى مستوى من الإنتاج مع أبعد حد من الانسجام والتضامن بين المواطنين، نجد، على ضوء هذا التعريف، إن بلوغ المجتمع العربي في وضعه الراهن لهاتين الغايتين يتطلب نظاما اشتراكياً يكون أعمق أسسا وأشمل نطاقاً، وأعنف تحقيقاً من النظام الذي ارتضاه الانكليز وفق حاجاتهم التي هي دون حاجات الشعب العربي إرهاقا وإلحاحا.))22.


2- مفهوم الاشتراكية العربية ومعالمها عند مؤسس البعث رحمه الله :-
((...الاشتراكية العربية تستمد من روح الأمة العربية وحاجاتها العميقة وأخلاقها الأصيلة، وتزود أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب العربي بكل الوسائل والفرص ليستطيعوا تحقيق عروبتهم على أكمل صورة )) 23 .

وفي عام 1946، يتحدث مؤسس البعث عن معالم الاشتراكية العربية وعن الاشتراكية في الغرب ، قائلا :-
((...إن الاشتراكية في الغرب كانت مضطرة إلى إن تقف ليس ضد الرأسمالية فحسب، بل ضد القومية أيضا التي حمت الرأسمالية، وضد الدين الذي دافع عنها، وضد كل فكرة تدعو إلى المحافظة وتقديس الماضي، كل ذلك لان الرأسمالية قد استغلته للدفاع عن مصالحها، فكان ضد مصلحة الحركة الاشتراكية.))24.

ويقول رحمه الله :-
((...إننا نرى أولا إن البلاد العربية لا تشبه في شيء حالة الامم الغربية في مطلع القرن التاسع عشر فهي - اي الامم الغربية - قد أنهت دور تشكيلها واستكملت شروطها ودخلت في دور جديد هو التوسع، في حين إن الأمة العربية لا تزال إلى حد كبير فاقدة لحريتها وسيادتها وهي علاوة على ذلك فاقدة لوحدتها القومية، تشكو من تجزئة أقطارها.

والبلاد العربية من جهة ثانية ليست في حالة الامم الغربية من حيث المحافظة الروحية أو الفكرية أو الاجتماعية لان الأمة العربية تشعر وتدرك تمام الإدراك إن حياتها تتوقف على نبذ القديم والدخول في مرحلة تجدد قوي حاسم، وتعرف إن ليس في حياتها الحاضرة شيء حسن يستحق إن تحافظ عليه، بعكس الامم الغربية التي كان تاريخها تاريخا صاعدا يتكامل، لذلك فهي مطبوعة بطابع المحافظة، كما إن الأمة العربية ليست امة طامعة إلى الاستعمار والتوسع حتى تكون في صف معاكس للاشتراكية.

فوضع الأمة العربية السياسي والروحي والحقوقي هو وضع أنساني، يتوافق كل التوافق مع سير قوميتنا في اتجاه الإنسانية لان الحقوق التي نطالب بها وندافع عنها هي عين الحقوق الإنسانية. وكذلك فانه ليس من مبرر لاصطباغ اشتراكيتنا بالصبغة المادية، فالروح في الغرب قد وصمت وصمة كبيرة لأنها وقفت إلى جانب الاستغلال والظلم والرجعية والى جانب شهوة التوسع والاستعمار، فكان لابد للاشتراكية وهي الحركة التحررية من إن ترفع لواء المادة في وجه تلك الروح المحافظة الرجعية، كما كان لا بد لها أيضا حتى تستطيع الصمود واقتحام تلك الصعوبات التي تقف في وجهها فتجابه ذلك الخصم العنيد إلا وهو المال وكل المؤسسات التي تدافع عنه، من إن تظهر بمظهر الدين الجديد، فجعلت من المادة فلسفة عامة للكون ونظرة للحياة.

اما نحن فليس هناك ما يوجب علينا إن نتبنى الفلسفة المادية حتى نكون اشتراكيين لان الروح بالنسبة ألينا هي الأمل الكبير والمحرك العميق لنهضتنا، وهي التي تتجاوب أعمق التجاوب مع أمانينا في الحرية والتجدد والعدل والمساواة. أنها روح سليمة غير مشوبة بالظلم كما في الغرب. والاشتراكية بالنسبة ألينا فرع ونتيجة لحالتنا القومية ولضرورات قوميتنا، فلا يمكن إن تكون الفلسفة الأولى والنظرة الموجهة لكل الحياة، أنها فرع خاضع للأصل الذي هو الفكرة القومية.))25.

ويقول رحمه الله :-
((...اشتراكيتنا قومية - عندما نقول إننا نحتاج إلى اشتراكية عربية، نقصد فقط إن تراعي الشروط الخاصة بنا كعرب في هذه المرحلة من الحياة. ونحن لا نختلف على مبدأ الاشتراكية وإنما على أسلوبها، وعلى الموضع الذي يجب إن تحتله من حياتنا، فلا نقبل إن تكون قوميتنا مرحلة عارضة طارئة من مراحل التطور الاقتصادي كما تدعي الاشتراكية الغربية بل إن على الاشتراكية إن تتلاءم مع امتنا ومع نضالها القومي فلا تكون أداة للتآمر على الوطن، وعامل تفرقة أو ستارا لحركات شعوبية.

نريد من الاشتراكية إن تخدم قضيتنا القومية، فعليها إن تزيدنا جرأة في الإقدام على حرية التفكير وعلى المناداة بحرية الفرد والدعوة إلى خصب الروح وغناها، لا إن تقضي على حريتنا الوليدة في مهدها.))26.

ويقول رحمه الله :-
(( دعوتنا الروحية دعوة واقعية -  يجب إن لا يفهم من الدعوة إلى الروح إننا ندعو إلى المحافظة على الأوضاع الفاسدة، أو إننا نتوهم إن الإصلاح الاجتماعي يمكن إن يتم بسهولة وذلك بمجرد توفر الرغبة وحسن النية، وان يظن إننا ننبذ التفكير الواقعي ونهمل ضرورات العلم ومقتضيات التفكير العلمي.

إننا بعيدون عن مثل هذه الأوهام، لأننا نؤمن بان واجبنا هو إن نكون واقعيين في تفكيرنا كما لو كنا ماديين، لان العودة بالمجتمع إلى الوضع السوي المنشود لا تكون بالوهم، والسحر، والغموض، وإنما بمشاهدة الواقع والتحقق من أمراضه ومداواتها مداواة حقيقية. فالطبقة المستغِلة المستثمِرة لن تتنازل عن ثروتها ومصالحها بمجرد إن ندعوها إلى ذلك باسم القومية أو باسم الروح والتقدمية، فلا بد من النضال والتكتل السياسي والتفكير الجدي.

إن القومية في الغرب أصبحت وسيلة لاستثمار الشعب واستعباده وأداة للتعدي على الشعوب الأخرى والدين وقف إلى جانب المستثمرين يدافع عنهم، والفكر اخذ يدعو إلى المحافظة ومحاربة التجدد، لذلك فقدت الدعوة الروحية كل قيمة لها، وظهرت الدعوة المادية بمثابة المنقذ والمخلص. فالروح إذا آل أمرها إلى إن تعجز عن معالجة الواقع، وصارت شعارا للجمود والنفعية والجهل، عندها تكون الدعوة إلى المادة هي الدعوة الحقة.

فنحن مهددون بان تحل المادة محل الروح وان يحتل الإلحاد مكان الإيمان والانفلات والتطرف محل الأخلاق، اذا لم يع الشباب مسؤوليته الخطيرة وهي في إن يعطي هذه المفاهيم الروحية والقيم السامية معناها الحقيقي حتى تعود الروح فتسيطر مرة ثانية على الواقع وتفهمه وتستجيب لضروراته. فإذا ارجع الشباب إلى هذه القيم الروحية معانيها الأصيلة الحقيقية أنقذ أمته من أخطار العقلية المادية التي تهددنا في أخلاقنا وحيويتنا وحرية فكرنا وإفرادنا، كما تهددنا في قضيتنا القومية. ))27.

ويقول رحمه الله :-
(( أيها الرفاق .. لنعد قليلا إلى شعارنا المعروف والذي يتردد كل يوم على ألسنتنا (الوحدة والحرية والاشتراكية)، الاشتراكية هي التي تراعي هذه الناحية التي أشرت إليها. هذه الناحية هي بالنسبة إلى كل شعب ناحية في غاية الخطورة ولكنها بالنسبة إلى الشعب العربي والى الأمة العربية هي ذات خطورة خاصة وبالغة ولعلكم تذكرون قولا من كتابات الحزب بأن الاشتراكية بالنسبة إلى الأمة العربية هي قضية بقاء ومصير وصمود أمام تنافس الأمم القوية الراقية في هذا العصر.

منذ البداية لم نقل أن الاشتراكية هي فقط لتأمين الحاجات الضرورية، بل قلنا بأنها هي التي تتيح للأمة أن تحقق كل طاقاتها وقدراتها، ونحن نؤمن بان امتنا عندما يتاح لجميع أفرادها أن يحققوا كل ما يمتلكون من قدرات وكفاءات فإنها تتحرر تحررا تاما من كل استعمار خارجي ومن كل استغلال داخلي ومن التخلف الحضاري، وإذا كانت الأمة العربية لا تزال حتى الآن تشكو من نقص سيادتها وتحررها ومن نقص في تقدمها ومن انعدام لوحدتها، فما ذلك إلا لأنه حتى الآن لا تزال الكثرة الساحقة من أفراد شعبها مقيدة بقيود كبيرة بقيود مادية ومعنوية لا تسمح لها بأن تنطلق ملء قدرتها وأن تناضل وأن  تبني لكي تتحرر وهذا ما يجب أن نرجع إليه بين الحين والآخر ونتذكره تذكرا قويا لنعرف الأسباب الحقيقية لتعثر الثورة العربية ولتأخرها عن تحقيق كامل أهدافها.

فما دامت الجماهير الواسعة في كل قطر عربي لم تعط بعد كل الفرص من اجل تحقيق ذاتها وتحقيق إنسانيتها ومن اجل أن تعطي أقصى ما تستطيع لمعركة البناء ولمعركة القتال والنضال، ومن الطبيعي أن نبقى مقصرين عن بلوغ الأهداف الكاملة إذ لا يحقق أهداف الأمة العربية إلا كامل الشعب العربي، فالاشتراكية كما قلت في نظر الحزب حملت هذا المعنى منذ البداية لأنها ضرورة حيوية ومصيرية بالنسبة للأمة العربية لأنها هي التي تضع في الساحة كل القدرات العربية، كل الكفاءات العربية، كل إمكانات الشعب العربي النضالية.))28.


3- منبع الفكر الاشتراكي عند مؤسس البعث رحمه الله :-
(( أيها الإخوة ..  أحمد الله إن حقق لي حلما كان يراودني منذ الصبا، وهو إن أرى هذه الأرض العربية الكريمة، إن أرى هذا الشطر الغالي من وطننا الأكبر. هذا الحلم نشأ عندي أيام الدراسة أيام جمعتنا الدراسة من كل قطر عربي وخاصة من أقطار المغرب العربي فتعرفت منذ سنين طويلة إلى النفسية النضالية القوية التي يتصف بها شباب المغرب العربي عامة. وكنت منذ ذلك الحين لا يخالجني شك في إن المغرب العربي يعاني تجربة إنسانية فريدة من نوعها غنية بالمعاني، وانه سيقدم إلى العروبة والى الإنسانية ثمار هذه التجربة، فيغني بها النهضة العربية الحديثة ويغني بها الثرات الإنساني العام.

 كنا طلابا نتداول في شؤون وطننا وفي مستقبلنا، كان يساورنا قلق وطموح بأن نسهم في الارتفاع بمستوى القضية العربية، وفي إخراجها من ذلك الطور الابتدائي الغامض المعالم الفارغ المحتوى، الذي طبعها به رجال طبقة وجيهة تصدت لزعامة النضال ضد الأجنبي قبل عشرات من السنين، ولم تكن هي المهيأة فعلا لان تمثل روح امتنا وان تمثل طموح بيئتنا وان ترسم الخطوط لمستقبلنا العظيم. 

فكان قلق الشباب إذ ذاك إلا يكتفوا بذلك المستوى المنخفض الذي يترك معظم إمكانات الشعب العربي مهملة ومهدرة لأنه لم يكن ثمة تجاوب مخلص بين طبقة الزعماء وبين جماهير الشعب. فظهر لنا أول خيط من خيوط النور، من خيوط الخلاص، ظهر لنا إن الخلاص لن يكون إلا على يد الشعب، على يد الكثرة الساحقة من أبناء شعبنا، على يد الكثرة الكادحة والمظلومة المستغلة، ليس لأنها أكثرية فحسب بل لأنها تعاني الظلم والاستغلال وفقدان الحرية وجرح الكرامة في جميع النواحي: الإنسانية والقومية. إذن فظروفها وأوضاعها وقوتها قد هيأتها لان تكون هي محرك التاريخ في هذه المرحلة، لان تكون هي المنقذة للأمة، لان تكون طليعة الأمة المناضلة وصورتها الصادقة.

فلم يأت تفكيرنا الاشتراكي من الكتب، من الأفكار المجردة، من النزعة الإنسانية العامة، النابعة من مجرد شعور بالشفقة، وإنما أتى من صميم الحاجة - أتى بدافع الحاجة الحيوية - لننقذ امتنا من الفناء، لان معركة الأمة العربية مع مستعمريها وأعدائها كانت معركة بقاء أو فناء. فكان التفكير الاشتراكي وكان اكتشاف دور الطبقة العاملة العربية في هذه المرحلة التاريخية من حياتنا بدافع الدفاع عن البقاء))29.


4- رأي مؤسس البعث رحمه الله في النظرية الماركسية :- ففي عام 1956، يتحدث مؤسس البعث عن النظرية الماركسية ودور الدين وصلته بالاشتراكية ، قائلا :-
((.. إذن فالدين في صميم القضية العربية والمواطن العربي الذي نعمل لتكوينه لم نرض له إن يتكون تكوينا ناقصاً أو زائفاً، وأن نكتم عنه جانباً من الحقيقة أو نصف الحقيقة فنعطيه فكرة تخدمه وقتاً من الزمن ثم لا تعود صالحة، عندها نصل إلى الشيوعية وفلسفتها، فنحن منذ بدء حركتنا نظرنا إلى الشيوعية كشيء خطير وجدي وجدير بأن يعتبر، وبالرغم من كل النواحي الإيجابية الخطيرة التي أتت بها فلسفة ماركس فقد اعتبرناها ناقصة لأنها لم تعبر عن كامل الحقيقة بل أخفت بعض نواحيها، وقد يكون قصدها من وراء ذلك تقوية العمل وتركيز العزم على مجال محدود من الأهداف القريبة لكي يكون مردود العمل أكبر ونزوعه أقوى وأفعل، تاركة للزمن فيما بعد إن يصلح ما أهملته وان يكملها..

فالماركسية تقوم على أساس نفي وإنكار كل معتقد يتجاوز الطبيعة والمادة والأشياء المحسوسة كما هو معروف، وليس هذا في الماركسية نتيجة عجز عن الفهم، كلا بل له دافع عملي وهو: ما دام الدين قد استخدم خلال التاريخ، وبصورة خاصة خلال التاريخ الحديث حيث تفاقمت الفروق الطبقية والاستغلال الطبقي، ما دام قد استخدم لإبقاء الاستغلال واستمراره ودعمه واستخدم لمنع التحرر البشري وكان في صف التأخر والعبودية والظلم، لذلك رأت الماركسية إن تنسفه نسفا. فالدافع إذن دافع عملي وليس عجزا عن فهم أهمية الدين وحقيقته.

ولكننا نحن لا نقر هذا الدافع على ما فيه من واقعية، إذ أنه ينبئ عن ضعف ثقة بالإنسان بأنه لا يتحمل هضم الحقيقة الكاملة. فنحن مع تبنينا للنظرة السلبية إلى الدين، اي رغم معرفتنا الطريقة الرجعية التي استخدم الدين بها ليكون داعما للظلم والتأخر والعبودية، نثق رغم ذلك بأن الإنسان يستطيع أن يثور على هذه الكيفية في استخدام الدين، وعلى هذا النوع من التدين الكاذب والمشوه وأن يعطي في نفس الوقت للدين الحقيقي الصادق حقه.))30.


5- رأي مؤسس البعث رحمه الله في النظرية الشيوعية :- وفي عام 1944، يتحدث مؤسس البعث رحمه الله عن النظرية الشيوعية ، قائلا :-
((...الشيوعية هي وليدة الفكر الأوربي والأوضاع الأوروبية الحديثة. وكل الذين تناولوا الماركسية بالشرح والتصحيح أرجعوها إلى أصولها الأوروبية الصرفة، فهي في نظرهم تمثل النزعة "الإنسانية" التي ظهرت في أوروبا في القرن السادس عشر كبعث وتجديد لروح الحضارة الإغريقية اللاتينية. وهي وليدة القرن الثامن عشر وفلسفته العقلانية المجردة التي تلخصت في مبادئ الثورة الفرنسية. وهي أخيرا نتيجة لتقدم الصناعة العجيب في القرن الماضي ولما رافقه من نظريات اقتصادية ومذاهب اجتماعية. ))31.

ويقول رحمه الله :-
((...إن للأمة العربية تاريخا مستقلا عن التاريخ الغربي الأوروبي وان النظريات والأنظمة المنبعثة من حضارة الغرب وأوضاعه لا  تلبي حاجات البيئة العربية ولا تلقى فيها تقبلا.  كما إن الأمة العربية ليست كأية امة صغيرة ثانوية، يمكنها إن تتبنى رسالة غير رسالاتها الخاصة، وان تسير في ركاب امة أخرى وتعيش من فضلاتها.

الشيوعية ليست مجرد نظام اقتصادي بل هي رسالة، رسالة مادية أممية تنفي حقيقة القوميات في العالم وتنكر الأسس الروحية والوشائج التاريخية التي تقوم عليها الأمة، فالعرب إذن مخيرون بين الأممية المصطنعة وبين إنسانيتهم الحية المتحققة ضمن قوميتهم كنتيجة لنضج هذه القومية وتكاملها. وان حرص العرب على رسالتهم الخاصة بهم وعلى استقلال شخصيتهم لا يعني منهم تعصبا ورغبة في الانعزال والجمود، ففي حاضرهم وماضيهم ما يكذب هذه التهمة.

ولكنهم مقتنعون بأن كل إصلاح أو تقدم لحياتهم لا يستمد دوافعه وغايته من عقيدتهم القومية، ومن الإيمان بوجود رسالة عربية خالدة ، سيكون تقدما سطحيا يعجز عن توحيدهم ورفعهم إلى مستوى الإبداع والبطولة، ويتركهم إفرادا متنافرين، تستعبدهم الأنانية وشهوة المادة.))32.

ويقول رحمه الله :-
((...النظرية الشيوعية وليدة الغرب وقومياته المتعصبة المتناحرة، وصناعته المتضخمة. لذلك فهي في البلاد العربية تحارب إمراضا غير موجودة، أي أنها تلهي العرب عن محاربة إمراضهم الحقيقية. فالشيوعية تريد إن تهدم العصبية القومية في امة لم تتكون قوميتها بعد، وتخشى من هذه العصبية على الامم الأخرى وعلى السلام العالمي في وقت لا يزال العرب فيه محكومين من قبل غيرهم.

 وأخيرا فالشيوعية تمنع العرب من التفكير في اشتراكيتهم والاهتداء إليها، لأنها بادعائها إن الاشتراكية هي الماركسية، وان لا اشتراكية إلا فيها وبها، قد شوهت الاشتراكية الصحيحة التي يحتاجها العرب. والماركسية، كما رأينا، نظام كلي أممي يتجاوز السياسة والاقتصاد إلى الأخلاق والدين وكل ناحية من نواحي الحياة، في حين إن الاشتراكية ليست أكثر من نظام اقتصادي مرن متكيف مع حاجات كل امة. وليس بعسير على العرب إن يهتدوا إلى اشتراكية عربية مستمدة من روحهم وحاجات مجتمعهم ونهضتهم الحديثة، تقتصر على إيجاد تنظيم اقتصادي عقلاني عادل يحول دون الأحقاد والنزاعات الداخلية ودون استغلال طبقة لأخرى وما ينتج عن هذا الاستغلال من فقر وجهل وشلل لنشاط أكثرية إفراد الشعب العربي، وهكذا تكون هذه الاشتراكية خادمة للقومية العربية، وعنصرا هاما في بعثها وتحقيقها.))33.


6- ترابط الاشتراكية بالإسلام عند مؤسس البعث :- ويقول رحمه الله لولا معرفته بالإسلام لأخذ فكر البعث منحا تحرريا غربيا أو ماركسيا شيوعيا :-
((...قراءة جديدة للإسلام كشفت لنا عن حقائق أساسية في روح شعبنا ونفسيته وأضاءت لنا طريق العمل الثوري. فثمة واقع ذاتي جاء في الوقت نفسه تعبيرًا عن واقع موضوعي.. الواقع الذاتي هو أنني شخصيًا، في بداية تكوين الحزب، اكتشفت الإسلام. أقول اكتشفت ولا أعني أنني لم أكن أعرف الإسلام - فقد كانت هناك ألفة منذ الصغر- اكتشفت الإسلام كثورة.. كتجربة ثورية هائلة.

وقرأته قراءة جديدة من هذا المنظار.. في أنه: عقيدة، ونضال في سبيلها.. وقضية هي قضية أمة، وقضية إنسانية. بل إنه قضية أمة بتصور إنساني أوسع.. ونضال على أروع ما يكون بأعلى مراحله وبما فيه من تنظيم دقيق وتثقيف، إلا أنه أيضًا دين، فهو تجربة ثورية، السماء فيها متداخلة بالأرض.

لولا هذا الاكتشاف لما كان مستبعدا أن يأخذ تفكيرنا، كشباب مثقف مخلص لبلده يريد أن يعمل شيئا، بإحدى الصيغ: إما التحرر بالصيغ الغربية.. وهذه كانت معروفة عند الكثيرين ولم تكن شيئا معيبا.. وإما صيغة أخرى أحدث وفيها نزعة تقدمية، وجديدة.. وهي صيغة الماركسية، أو الشيوعية وفيها النقد للمجتمع والاستغلال الرأسمالي والطبقي. كل هذا كان واردًا. وقد مشى عشرات المثقفين العرب في هذه السُبل.)) 34.

وعن ترابط العروبة والاشتراكية بالإسلام العظيم ، يقول مؤسس البعث رحمه :-
((...إن الأمة التي ظهرت فيها رسالة بحجم رسالة الإسلام ترفض الخنوع، وترفض التبعية الفكرية والحضارية، إن لها طريقها الخاص واشتراكيتها هي اشتراكية عربية...

الأمة التي حملت إلى العالم رسالة الإسلام لا يمكن إن تكون قوميتها سلبية تعصبية عدوانية، فقوميتها هي في أساسها أخلاقية إنسانية تحمل مبادئ العدل والمساواة.

مستوى الأمة العربية هو مستوى الأمم التي لها رسالات إنسانية. وانبعاث القومية العربية في هذا العصر يحمل معه بذور رسالة إنسانية إلى العالم. ولقد حدد التراث لهذا الانبعاث مستواه منذ البداية. فهو على مستوى الدور الرسالي... في عمقه... في صدقه... في شموله. وهذا المستوى يكون حافزا وملهما، كما يكون مراقبا صارما.

فالأمة العربية مطالبة بان تنهض... التأريخ يدعوها، والعالم الحاضر يطالبها بان تنهض لتؤدي دورها الأساسي الضروري، تصحيح سير البشرية وتقدمه. ليست مطالبة من أبنائها فحسب، ليست مسئولة عن نفسها فحسب، إن لها دورا إنسانيا يجب إن تقوم به، لذلك فهي لا تستطيع إن تتساهل في أمر نهضتها وثورتها... اما إن تكون ثورة أصيلة أولا تكون أبدا.))35.


الخلاصة :-
يتبين لنا من خلال بحثنا في هذا الجزء عن شرعية اشتراكية ، أنها اشتراكية مؤمنة بالله سبحانه وتعالى . فكما توافق تأسيس حزب البعث مع قيم ومبادئ ديننا الإسلامي الحنيف ، وكما وافقت قومية فكر البعث  مع الإسلام ، فان اشتراكية حزبنا هي الأخرى قد جاءت متوافقة مع ماجاء به ديننا الإسلامي الحنيف .

فمن خلال قراءتنا لما جاءت به كتابات مؤسس البعث احمد ميشيل عفلق رحمه الله واسكنه فسيح جناته يتبين لنا وبشكل قطعي لا لبس فيه ولا جدال بان مؤسس البعث لم يضع لنا قوانين أو تشريعات اقتصادية ، إنما وضح لنا : إن من سبل تحقيق نهضة الأمة إن تتبنى اشتراكيتها الخاصة بها ، هذه الاشتراكية العربية المتوافقة مع روح وتراث امتنا المجيدة ومع ديننا الإسلامي الحنيف باعتباره – أي الإسلام – دين الأمة وتاريخها وتراثها وروحها .

وبالتالي فان اشتراكية البعث لأتطابق الاشتراكية الماركسية ، بل أنها – أي اشتراكية البعث - تتقاطع معها – أي مع النظرية الماركسية - تقاطع تام حيث أنكرت اشتراكية البعث وجود أي صلة بين الاشتراكية والفلسفة الجدلية كما رفضت اشتراكية البعث فكرة الإلحاد الماركسية .

ومن خلال فهمنا لاشتراكية البعث نجد إنها توافق وتنسجم وتتطابق مع فحوى وجوهر وروح ديننا الإسلامي الحنيف حتى نستطيع القول بان اشتراكية البعث هي الوجه المعاصر لمفهوم الاقتصاد الإسلامي .

اما عن كيفية صياغة القوانين والتشريعات الاقتصادية فان ذلك يقع ضمن مسؤولية المشرع البعثي والذي يتوجب عليه مراعاة ماجاء به ديننا الإسلامي الحنيف عند سنه لتلك القوانين والتشريعات ، لان البعث عموما واشتراكيته خصوصا تقر بضرورة ذلك . فمسؤولية منع التعاملات الاقتصادية بالربا مثلا تقع على عاتق من يصوغ القوانين والتشريعات الاقتصادية والتي أمر بها ديننا الحنيف الذي أمنت به اشتراكيتنا اشتراكية البعث العظيم .



ملاحظة :-
1- إن الاقتباسات أعلاه والعائدة لمؤسس البعث رحمه الله ، لأتمثل سوى الجزء اليسير مما جاء في كتاباته عن الاشتراكية .

2- إن المقصود بأصحاب الفتاوى التكفيرية هما صنفين من رجال الدين ، أولئك المحسوبين على امتنا العربية وآخرين محسوبين على امتنا الإسلامية والإسلام منهم براء كما هو الحال مع فتاوى ملالي الكذب والشعوذة والدجل في إيران.

3- يتبع بأذن الله تعالى ، الجزء الرابع عن شرعية حكم البعث .


الهوامش :-
1- صلاح المختار ، ينابيع البعث : مم يتشكل الفكر البعثي ، بماذا تتميز اشتراكية البعث ؟

2- يشير روبيرت تيمبل إلى مقالة كتبها جورج هيلد عام 1983 تناول فيها التشابهات بين الملحمة وأفلاطون، موضحاً ( إن بذور النظرة الأخلاقية الغائية تلك، الشبيه بنظرة أفلاطون وأرسطو يمكن العثور عليها في ملحمة كلكامش ) .

3- خصائص الاقتصاد الإسلامي ، حامد بن عبد الله العلي .

 
4- مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية .

5- فقه المعاملات المالية في الإسلام الشيخ حسن أيوب ، القاهرة ، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 1998، 216,3  ا ح ف .

6- أ.د.عبد الجبار السبهاني

7- رواه البخاري, كتاب الإيمان, باب: ما جاء أن الأعمال بالنيات (1/24) رقم 55.

8- سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (3/22).

9- رواه مسلم, كتاب الزكاة, باب: النفقة على العيال والمملوك (1/191).

10- رواه البخاري, كتاب الصلح, باب: فضل الإصلاح بين الناس (3/227) رقم 2707 .

11- أخرجه الإمام أحمد (1/8، 26) .

12- البخاري، كتاب الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، (1/103) رقم 6011.

13- الراوي : عبد الله بن عمر ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري  ، الصفحة أو الرقم  645 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح .

14- الراوي : عبد الله بن عباس ، المحدث : البخاري ، المصدر : صحيح البخاري  ، الصفحة أو الرقم  7054 ، خلاصة حكم المحدث : صحيح . 

15- الراوي : عبد الله بن عباس ، المحدث : ابن العربي ، المصدر : عارضة الأحوذي ، الصفحة أو الرقم 5/28 ، خلاصة حكم المحدث : وإن لم يكن لفظه صحيحا فإن معناه صحيح .

16- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَن تركَ الجمعةَ ثلاثَ مراتٍ تهاوُناً بها طَبَع الله على قلْبِهِ ) رواه الترمذي .

17- صلاح المختار ، ينابيع البعث : مم يتشكل الفكر البعثي ، بماذا تتميز اشتراكية البعث ؟

18- المصدر نفسه .

19- الدافع التاريخي لتأسيس البَعث ، تصريح لجريدة "النضال" الدمشقية في 16 أيلول 1945 حول مبادئ الحزب وبرامجه ومواقفه.

20- العمال والاشتراكية ، عام 1950 ، حديث ألقي في اجتماع عمالي.

21- الاشتراكية العربيّة تحدّد بالنسبة إلى أهداف النهضة العربيّة 12 آب 1950،  مقالة كتبت بمناسبة مناقشة الجمعية التأسيسية في سوريا للمواد الاقتصادية في الدستور، نشرت في جريدة البعث، العدد 462.

22- المصدر نفسه .

23- الدافع التاريخي لتأسيس البَعث ، تصريح لجريدة "النضال" الدمشقية في 16 أيلول 1945 حول مبادئ الحزب وبرامجه ومواقفه.

24- التراث يعطي الأمة شعورا بوحدتها وطموحا إلى تجديد رسالتها ، حديث لمجلة آفاق عربية، بتاريخ 1/4/1976.

25- معالم الاشتراكية العربية / عام 1946

26- المصدر نفسه .

27- المصدر نفسه .

28- بناء المناضل/ 11 أيار 1977/(1) حديث في مدرسة الإعداد الحزبي بتاريخ 11/5/1977.

29- الطبقة العاملة طليعة الكفاح العربي عام 1960(1) حديث ألقي في الدار البيضاء بدعوة من جريدة "الطليعة" الناطقة بلسان الاتحاد المغربي للشغل بمناسبة احتفالات أول أيار.

30- قضية الدين في البعث العربي ، نيسان 1956  ، حديث ألقي  على الاعضاء والأنصار في طرابلس.

31- موقفنا من النظرية الشيوعية ، عام 1944.

32- المصدر نفسه .

33- المصدر نفسه .

34- التراث عزّز صمود الأمة وأعطى للثورة العربية مستواها العالمي ، كلمة في السابع من نيسان عام 1976، لمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي.

35- المصدر نفسه .



تم بحمد الله وتوفيقه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الرفيق
رأفت علي
بغداد الجهاد
2 / 1 / 2010